لم تكن مهنة “المنبّه البشري” التي كانت تعتمد على إيقاظ الناس صباحًا، أو “موقد مصابيح الشوارع” الذي كان يشعل المصابيح ويزودها بالوقود يوميًا، أو “مستمع الطائرات” الذي كان يستخدم وسائل بدائية لرصد اقتراب الطائرات، سوى وظائف فرضتها احتياجات عصرها.

ومع التطور التكنولوجي، اختفت هذه المهن تدريجيًا، بعدما حلت الكهرباء محل إشعال المصابيح، والرادار محل وسائل الرصد البدائية، والمنبهات الآلية محل المنبه البشري. وفي المقابل ظهرت وظائف جديدة ارتبطت بالثورة الصناعية والتكنولوجية.

واليوم، ومع الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يتكرر المشهد بصورة مختلفة، إذ باتت التكنولوجيا تفرض تساؤلات جديدة حول مستقبل عدد من المهن وإمكان استبدالها بالأنظمة الذكية.

وتواصل شركات الذكاء الاصطناعي إطلاق وعود كبيرة بشأن قدرة تقنياتها على أداء مهام كانت حكرًا على البشر، في وقت تتزايد فيه استثمارات الشركات الكبرى في هذه الأدوات، أملًا في رفع الإنتاجية وخفض تكاليف التوظيف.

وباتت بعض الشركات تتبنى مفهومًا جديدًا في إدارة القوى العاملة، يقوم على الإبقاء على أعداد الموظفين دون توسع، مع إسناد جزء متزايد من المهام إلى ما يُعرف بـ”وكلاء الذكاء الاصطناعي”، وإذا تحققت هذه التوقعات، ولو جزئيًا، فإن تأثيرها سيمتد إلى مختلف القطاعات وسوق العمل، وربما بوتيرة أسرع مما يتوقعه كثيرون.

وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، فإن عددًا من الاقتصاديين الحائزين على جائزة نوبل دعوا الحكومات إلى التحرك سريعًا لضمان أن يسهم الذكاء الاصطناعي في رفع مستويات المعيشة، بدلًا من التسبب في موجة واسعة من فقدان الوظائف. كما حذرت شركات في لندن، الشهر الماضي، من اتساع فجوة المهارات المطلوبة، في ظل التغيرات السريعة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في سوق العمل.

الوظائف الأكثر عُرضة للتأثر

وفقًا لتقرير “بي بي سي”، تأتي مهن تطوير البرمجيات وموظفو خدمة العملاء في مراكز الاتصال ضمن أكثر الوظائف عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي.

ويشير تحليل أجرته جامعة ستانفورد لبيانات التوظيف والأجور إلى انخفاض فرص العمل للفئة العمرية بين 22 و25 عامًا بنسبة 2.7% منذ الانتشار الواسع لاستخدام ChatGPT، بينما ترتفع النسبة إلى 12.8% في القطاعات الأكثر اعتمادًا على المعرفة، مثل الخدمات المالية، والصناعات الإبداعية.

ولا يتفق جميع الاقتصاديين مع هذا الرأي، إذ يرون أن عوامل أخرى، مثل ارتفاع أسعار الفائدة، قد تُفسر هذا الانخفاض.

في المقابل، يرى التقرير أن بعض الوظائف لا تزال أقل عرضة للاستبدال بالذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها المهن التي تعتمد على التفاعل الإنساني المباشر، مثل الرعاية الصحية، ورعاية الأطفال، وتصفيف الشعر، وظائف يصعب أتمتتها بالكامل.

ليس الأقل تكلفة

ورغم قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ عدد متزايد من المهام، فإن الاعتماد عليه ليس دائمًا الخيار الأقل تكلفة.

وتعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي على ما يُعرف بـ”التوكنات” (Tokens)، وهي وحدات صغيرة تُستخدم لمعالجة النصوص وفهمها وتوليدها، ويعادل التوكن الواحد في المتوسط نحو ثلاثة أرباع كلمة باللغة الإنجليزية.

ورغم تراجع تكلفة معالجة التوكن الواحد، فإن عام 2026 شهد قفزة غير مسبوقة في حجم الاستخدام، مدفوعة بالاعتماد المتزايد على “وكلاء الذكاء الاصطناعي” القادرين على تنفيذ المهام بصورة شبه مستقلة. وأدى هذا التوسع إلى استهلاك تريليونات، بل وكوادريليونات، من التوكنات خلال أشهر قليلة، ما رفع تكاليف التشغيل بشكل كبير، ودفع عددًا من الشركات إلى فرض قيود على استخدام النماذج الأكثر تقدمًا، والبحث عن بدائل أقل تكلفة للحفاظ على كفاءة الإنفاق.

حدود الأتمتة

ويرى تقرير “بي بي سي” أن هذه التطورات قد تكشف عن حدود عملية لأتمتة الوظائف، إذ تصبح العمالة الافتراضية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أكثر تكلفة من العامل البشري في بعض المهام، بحسب طبيعة العمل ومتطلباته.

وفي الوقت نفسه، تتجه شركات عديدة، بينها شركات غربية، إلى استخدام نماذج ذكاء اصطناعي منخفضة التكلفة، مستفيدة من نماذج طُورت في الصين وأصبحت متاحة مجانًا أو بتكلفة محدودة، في محاولة لتحقيق التوازن بين الكفاءة وتقليل النفقات.

الشركات الصغيرة.. أكثر ربحًا

ورغم المخاوف من فقدان الوظائف، تشير تجارب عدد من الشركات الصغيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم حاليًا لزيادة إنتاجية العاملين أكثر من استبدالهم، بحسب الجارديان البريطانية.

واستعانت إحدى شركات بيع النوافذ والأبواب بتطبيق يعتمد على الذكاء الاصطناعي يستمع إلى المحادثات بين موظف المبيعات والعميل، ثم يُعد عرض السعر تلقائيًا، ما أتاح للموظفين خدمة عدد أكبر من العملاء وتقليل الوقت المستغرق في الأعمال الورقية وخفض نسبة الأخطاء.

كما استخدمت شركات أخرى نماذج ذكاء اصطناعي مرتبطة بقاعدة بياناتها الفنية، لتزويد فرق خدمة العملاء بإجابات فورية ودقيقة عن استفسارات العملاء، ما أسهم في تسريع الاستجابة وتحسين جودة الخدمة.

وتشير بيانات سوق العمل الأمريكية إلى استمرار نمو التوظيف، ووجود ملايين الوظائف الشاغرة، ما يدعم الرأي القائل إن الشركات الصغيرة تستخدم الذكاء الاصطناعي لسد نقص العمالة ورفع الكفاءة، وليس لتقليص أعداد الموظفين.