بعد ثماني سنوات، لا يزال المواطن البريطاني تشارلي رولي يحاول استيعاب كيف تحولت زجاجة عطر ظنها هدية بسيطة إلى حادثة غيّرت حياته إلى الأبد، بعدما حملت مادة “نوفيتشوك” السامة التي أودت بحياة شريكته داون ستورجس وأدخلته هو نفسه في غيبوبة طويلة.

بدأ كابوس تشارلي رولي في يوم صيفي عادي بمدينة أمزبري في إنجلترا، عندما كان يبحث داخل حاوية تبرعات خيرية عن أشياء قديمة يمكن الاستفادة منها.

بين الأشياء المهملة، وجد رولي صندوقًا كرتونيًا صغيرًا بدا وكأنه يحتوي على شيء ثمين. في داخله كانت هناك زجاجة ملفوفة بالبلاستيك تحمل علامة العطر الفرنسي الشهير “نينا ريتشي”.

اعتقد “رولي” أن شخصًا ما تخلص من زجاجة عطر باهظة الثمن، فقرر أخذها إلى المنزل لتقديمها هدية إلى صديقته داون ستورجس.

كان العثور على الأشياء بين المخلفات هواية اعتاد عليها طوال سنوات. فقد سبق أن عثر على أجهزة تلفزيون وأدوات منزلية مختلفة. وفي ذلك اليوم، كان يأمل في العثور على شيء خاص، وربما خاتم يستطيع أن يتقدم به لطلب الزواج منها.

قال رولي في مقابلة لاحقة: “كانت داون تتحدث كثيرًا عن رغبتها في الحصول على خاتم خطوبة، خاتم من الياقوت الأزرق”.

لكن الزجاجة التي حملها إلى المنزل لم تكن عطرًا، بل كانت تحتوي على مادة “نوفيتشوك”؛ وهو غاز أعصاب يعتقد محققون بريطانيون أن عملاء روسًا استخدموه في محاولة اغتيال الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته قبل ثلاثة أشهر في مدينة سالزبري القريبة.

ما حدث بعد ذلك كان سلسلة مأساوية من الأحداث حولت رولي وستورجس إلى ضحيتين غير مقصودتين في صراع استخباراتي دولي.

الهدية تحولت لمأساة

تذكر “رولي” أنه كان يعتقد أن الهدية حقيقية وأن داون شعرت بالسعادة عندما رأتها. وقال: “رشت منه وأخذت تشمه ووضعته على معصمها. وبعد وقت قصير قالت إنها تشعر بشيء غريب. اشتكت من صداع، ثم لم تعد تستجيب لي. حاولت إنعاشها، لكن كل شيء كان يبدو وكأنه يحدث بالحركة البطيئة”.

بعد ذلك بساعات، بدأ السم يؤثر عليه هو أيضًا. أصيب بالتعرق الشديد، وأصبح يتحرك بشكل غير طبيعي ويتمتم بكلمات غير مفهومة قبل أن يدخل في غيبوبة استمرت أسابيع.

بعد خروجه من المستشفى، أصيب بجلطة دماغية أعادته إلى العلاج لفترة طويلة.

وقال رولي إن ما حدث أدخله دون إرادته في مواجهة بين أجهزة الاستخبارات الروسية والبريطانية.

وأضاف: “من كان يعلم أن هناك جاسوسًا يعيش في سالزبري؟ كان الأمر صادمًا. من كان يتخيل أن السم سيظهر مرة أخرى داخل زجاجة”.

نهاية كارثية

التقى رولي وداون في مركز لإيواء المشردين حيث كانت تقيم، لتبدأ بينهما علاقة عاطفية استمرت نحو عام. ومع انتقال رولي إلى منزل جديد، بدأ الاثنان الاستعداد لتنتقل داون للعيش معه، ومشاركة حياة بسيطة تدور تفاصيلها حول الاستماع إلى الموسيقى، مشاهدة الأفلام، والتنزه معًا. كانت داون تعشق موسيقى بوب مارلي وأفلام الحركة، كما كانا يستمتعان بزيارة المهرجانات الترفيهية كلما أقيمت في المدينة. غير أن مسار هذه الحياة الهادئة انقلب تمامًا في 28 يونيو 2018، بعد يومين فقط من عثور رولي على تلك الزجاجة.

كان الزوجان يشاهدان التلفزيون عندما قدم لها الهدية. تعرفت داون على العلامة التجارية فورًا وبدا عليها الحماس.

إلا أن رولي لاحظ أمرًا غريبًا وهو فوهة الزجاجة كانت منفصلة ولم تكن مثبتة عليها، واضطر إلى تركيبها بنفسه. وعندما استخدمت داون العطر، لاحظت أنه ذو قوام زيتي ولا يحمل أي رائحة.

وقال رولي: “كان الأمر غريبًا جدًا.. عطر بلا رائحة”.

بعد فترة قصيرة، أخبرته بأنها لا تشعر بأنها بخير، ثم توجهت إلى الحمام. سمع صوت سقوط، وعندما دخل وجدها فاقدة للوعي داخل حوض الاستحمام. ثم اتصل بالإسعاف، ونُقلت داون إلى المستشفى.

وقال: “في لحظة كنت أتحدث معها، وفي اللحظة التالية لم تعد هي نفسها، لم تكن تستجيب. دخلت في حالة من الذعر ولم أعرف ماذا أفعل”.

بعد خمس ساعات فقط، عادت سيارة إسعاف إلى المنزل نفسه، لكن هذه المرة لنقل رولي بعد أن بدأت تظهر عليه أعراض التسمم.

توفيت داون ستورجس بعد عشرة أيام عن عمر 44 عامًا، بينما كان رولي لا يزال في غيبوبة.

من الهدوء إلى ساحة تجسس

تشتهر مدينة سالزبري بكاتدرائيتها التاريخية ذات أعلى برج في بريطانيا، وبقربها من موقع ستونهنج الشهير.

لكن المدينة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 44 ألف نسمة أصبحت عام 2018 محور واحدة من أكبر قضايا التجسس في أوروبا.

ففي مارس من ذلك العام، عُثر على سيرجي سكريبال، الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الروسية الذي اتهم بالتجسس لصالح بريطانيا، وابنته يوليا، فاقدَي الوعي على مقعد في مركز تجاري بالمدينة. كما أصيب شرطي حاول مساعدتهما.

وسرعان ما خلص المحققون البريطانيون إلى أن الاثنين تعرضا للتسمم بمادة “نوفيتشوك”، وهي مادة أعصاب طورتها الحقبة السوفيتية.

واتهمت بريطانيا عنصرين روسيين بالسفر إلى المملكة المتحدة باستخدام أسماء مستعارة، ووضع السم على باب منزل سكريبال، ثم العودة إلى موسكو.

انتشرت فرق التحقيق بملابس واقية في شوارع سالزبري، وأغلقت الشرطة حدائق ومطاعم ومواقع عامة بحثًا عن آثار المادة السامة. وبعد أسابيع من العلاج، نجا سكريبال وابنته من الهجوم.

وقال مارك سيدويل، مستشار الأمن القومي البريطاني السابق: “من البداية كان واضحًا بالنسبة لي أن الأمر لم يكن مجرد تسميم، بل محاولة اغتيال”.

لكن بعد ثلاثة أشهر فقط، عاد شبح نوفيتشوك إلى المدينة عندما عثر رولي على الزجاجة الملوثة.

البحث عن العدالة

وبعد خروجه من الغيبوبة، لم يكن رولي يتذكر الكثير مما حدث. وأخبره الأطباء أن السم تسبب في وفاة صديقته.

وقال: “كنت في حالة صدمة، لأن تلك كانت الزجاجة التي أعطيتها لداون كهدية. شعرت بذنب رهيب بسبب ذلك، ولا يزال الأمر صعبًا حتى اليوم”.

ولا يزال رولي يعيش بالقرب من سالزبري، ويحمل آثار الحادثة جسديا ونفسيا. فقد عانى من مشكلات في التوازن والرؤية، وفقد القدرة على استخدام ذراعه اليسرى لفترة.

وأضاف: “أرجع ذلك إلى نوفيتشوك، لكنني لا أعرف إن كان هناك ضرر دائم”.

ورغم تحديد هوية العملاء الروس المتهمين بالعملية، فإنهم لم يعتقلوا، ونفوا تورطهم، وقالوا إنهم زاروا سالزبري كسائحين لرؤية الكاتدرائية.

وبعد عام من الحادثة، التقى رولي بالسفير الروسي في لندن بحثا عن إجابات.

وقال: “كنت أريد أن أسمع الأمر من المصدر، وأن أحصل على إجابة، لكنني لم أحصل على شيء سوى الأعذار وتبادل المسؤوليات”.

واليوم، يقول رولي إنه توقف عن انتظار تحقيق العدالة للمرأة التي فقدها، مضيفًا أن”الأمر أصبح خارج سيطرتي. لا يوجد شيء يمكنني فعله”.