غادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قمة “الناتو” الأخيرة دون ضجة كبيرة، مشددًا على ما سعى إليه خلال ما يقرب من عقد من الزمن في منصبه؛ حيث رسّخ مكانة فرنسا كقوة عظمى في الحلف، ونشر القوات الفرنسية على الحدود مع روسيا، وضغط لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتعزيز استقلال أوروبا. ويعد هذا الرحيل الهادئ مناسبًا لرئيس يهدد صعود خليفة محتمل من اليمين الفرنسي إرثه الدفاعي.

يتميز إرث الرئيس الفرنسي في مجال الدفاع، الذي يتسم بالتوجه نحو أوروبا، بزيادة الإنفاق الدفاعي والخطوات الأولى لإشراك الدول الأوروبية في الردع النووي الفرنسي. لكن مع اقتراب نهاية ولايته، يلقي عاملان، هما قيود الميزانية واليمين المتطرف، بظلالهما على الوضع.

تشير النسخة الأوروبية من صحيفة “بوليتيكو” إلى أنه “في حين من المرجح أن يواصل المرشحون الوسطيون الذين يتطلعون إلى خلافة ماكرون نهجه، فقد أوضحت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، التي تتصدر استطلاعات الرأي، أن فرنسا ستخفض دورها بشكل كبير في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي إذا فازت”.

وينقل التقرير عن إيلي تيننباوم، مدير مركز الدراسات الأمنية التابع للمعهد الدولي للعلاقات الدولية في باريس: “لقد حدث التحول نحو أوروبا، وسيتعين على الرئيس القادم أن يقرر ما إذا كان سيواصل هذا المسار الواضح الذي تبنته الإدارة الحالية أم سيرفضه. هذه هي القضية التي تهم حلفاءنا الأوروبيين أكثر من غيرها”.

ظل لوبان

قبل أقل من عام على انتهاء ولايته، بدأ الرئيس الفرنسي سلسلة من الخطوات الأخيرة. بعد آخر اجتماع له في قمة الناتو، سيلقي في 13 يوليو خطابه الأخير للقوات المسلحة قبل الاحتفال بيوم الباستيل. وسيستضيف في اليوم نفسه اجتماعًا لتحالف الراغبين لحشد حلفاء أوكرانيا قبل العرض العسكري التقليدي الأخير له في باريس في 14 يوليو.

ويرى التقرير أنه “منذ عام 2022، وبعد أن وصفت حلف الناتو بأنه “ميت سريريًا”، أصبح الرئيس وجهًا لتفاني فرنسا المتزايد تجاه الحلف، وهو التزام قد ينتهي إذا تم انتخاب لوبان رئيسة”.

وعززت فرنسا بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وجودها على الجبهة الشرقية، وقادت قوات الناتو في رومانيا وأنقرة، ووعدت بإرسال قوات إلى فنلندا. وجاء ذلك في الوقت الذي اضطرت فيه للانسحاب من مستعمراتها السابقة في منطقة الساحل الإفريقي.

أيضًا، تلعب باريس دورًا محوريًا في استبدال المعدات العسكرية التي تسحبها الولايات المتحدة من حلف “الناتو”، بما في ذلك حاملة طائرات. وقال ماكرون يوم الأربعاء: “لبّت فرنسا وحدها 80% من الاحتياجات البحرية الناجمة عن إعادة تموضع الولايات المتحدة”.

وعلى العكس، من شأن فوز لوبان، التي صرّحت الأسبوع الماضي بأنها تعتزم الترشح عن حزب “التجمع الوطني” العام المقبل على الرغم من إدانتها بتهمة الاختلاس، أن يُقوّض الكثير من إنجازات ماكرون.

في مايو، صرّحت زعيمة اليمين الفرنسي بأنها ستسحب فرنسا من القيادة المشتركة لحلف الناتو خلال ولايتها الرئاسية الأولى، مُقتديةً بخطوة الجنرال شارل ديجول عام 1966. ولم تُقدّم أي تعهدات بشأن وجود قوات فرنسية على الجناح الشرقي.

نقص المال

يؤكد التقرير أنه “أيًا كان من سيصبح رئيسًا في العام المقبل، فسيتعين عليه أيضًا التعامل مع تدهور المالية العامة في فرنسا”، حيث تعتزم باريس إنفاق ما يزيد قليلًا على 2.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2030، وهو ما يقل بكثير عن النسبة المطلوبة لتحقيق هدف حلف الناتو لعام 2035 البالغ 3.5%.

ومع دين عام يتجاوز 115% من الناتج المحلي الإجمالي، سيكون توفير هذه الأموال الإضافية أمرًا بالغ الصعوبة.

وبينما تسعى باريس جاهدةً لتوفير التمويل، تتقدم ألمانيا بخطىً حثيثة. من المتوقع أن يتضاعف الإنفاق العسكري الفرنسي ليصل إلى 63.3 مليار يورو بحلول عام 2027، بينما يُتوقع أن يصل الإنفاق الألماني إلى 109.7 مليار يورو العام المقبل. وحذر رئيس أركان الجيش الفرنسي فابيان ماندون المشرعين من وجود خطر حقيقي يتمثل في احتمال تفوق برلين على باريس لتصبح القوة العسكرية الأبرز في القارة.

وبالفعل، أدت الأوضاع المالية الصعبة إلى تقويض طموحات ماكرون، الذي أعلن في مارس الماضي أن فرنسا ستنشر المزيد من الرؤوس الحربية النووية، لكن البلاد لم توسع أسطولها البحري أو الجوي في العقد الماضي بسبب نقص الأموال.