
بعد مرور عشر سنوات على اللحظة التي صوت فيها البريطانيون بـ52% مقابل 48% على مغادرة الاتحاد الأوروبي، في 23 يونيو 2016، توقظ الذكرى العاشرة للبريكست جدلًا متجددًا حول ما إذا كانت المملكة المتحدة قد ضلّت الطريق، وهو ما توضحه استطلاعات الرأي، إلا أن الترجمة السياسية لهذا الندم تظل أمرًا بالغ التعقيد.
الأرقام تكشف تحولًا
كشفت صحيفة ليزيكو الفرنسية، نقلًا عن معهد يوجوف، أن 56% من البريطانيين باتوا يريدون إعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مقابل 35% يرفضون ذلك، وأن 60% سيصوتون للبقاء لو جرى استفتاء اليوم مقابل 40% فقط للخروج.
ويُرجع عالم السياسة جون كيرتيس هذا التحول، في دراسة نشرها مركز UK in a Changing Europe، إلى عاملين متشابكين، أولهما أن 28% من مؤيدي البريكست الأصليين باتوا يتشككون في قرارهم، وثانيهما التبدل الجيلي، إذ يميل ثلثا الشباب بين 18 و24 عامًا، الذين لم يبلغوا سن التصويت عام 2016، إلى الانضمام، في حين لا يزال 53% من كبار السن فوق 65 عامًا يتمسكون بالخروج.
مسار الندم من أزمة الوقود إلى فضيحة تراس
ترصد ليزيكو اللحظات التي حولت الرأي العام، فحتى انتخابات 2017 كان مؤيدو الخروج لا يزالون في صدارة بنسبة بسيطة، قبل أن تبدأ الكفة بالميل للبقاء.
وفي سبتمبر 2021، أشعلت أزمة نقص الوقود والسلع في المتاجر فتيلَ الغضب الشعبي وأُلقيت المسؤولية على البريكست مباشرةً.
ثم جاءت ميزانية رئيسة الوزراء ليز تراس، في سبتمبر 2022، لتُلحق ضربةً موجعة بمصداقية المشروع برمته، فارتفعت نسبة المؤيدين للبقاء إلى 57% مقابل 43%، لتستقر اليوم عند 60% مقابل 40%.
ويؤكد استطلاع “إبسوس”، في أبريل الماضي، أن 51% من البريطانيين يعدون البريكست فاشلًا، سواء اقتصاديًا أو على صعيد ملف الهجرة الذي يجمع عليه “المغادرون” و”الباقون” معًا.
صعوبة العودة
توضح ليزيكو أن الندم لا يُفضي تلقائيًا إلى استفتاء جديد، إذ إن 46% من البريطانيين يرون، وفق استطلاع More in Common، أن البريكست كان قابلًا للنجاح لو أُحسِنَت إدارته، فيما يُحمِّل 74% من مؤيديه الحكومات المتعاقبة المسؤوليةَ؛ لا القرار ذاته.
ويتجلى تعقيد المشهد في أن حزب ريفورم، بزعامة نايجل فاراج، لا يزال يحقق نتائج لافتة حتى في المناطق التي تضررت اقتصاديًا من البريكست، كمدينة سندرلاند التي يعتمد آلاف عمالها على مصنع نيسان للسيارات، وهو ما يكشف أن الغضب الشعبي لم يتحول بالضرورة إلى رفض للمشروع ذاته.
ويزيد الأمر تشابكًا أن إعادة الانضمام تعني العودة دون الامتيازات التي كانت تتمتع بها لندن، كالخصم على الميزانية الأوروبية والعملة المستقلة والبقاء خارج شنجن، ولهذا تُشير استطلاعات More in Common وUKICE إلى أن 48-51% فقط من البريطانيين يريدون استفتاءً جديدًا قريبًا، فيما اكتفى رئيس الوزراء السابق كير ستارمر بسياسة “إعادة الضبط” الحذرة مع بروكسل.
صمود هش بعد عقد من الاضطراب
على الصعيد المالي، تستعيد ليزيكو مسيرة الجنيه الإسترليني المضطربة، إذ انهار بنسبة 12% فور إعلان نتائج التصويت في يونيو 2016، في أعنف تراجع يومي في تاريخه، أربعة أضعاف ما عانته العملة إبان الخروج من آلية الصرف الأوروبي عام 1992.
ثم بلغ قاعه التاريخي عند 1.07 دولار في عهد تراس، قبل أن يتراجع مجددًا إلى أدنى مستوياته في 2026 عند 1.32 دولار مع استقالة ستارمر.
غير أن المفارقة، كما يلفت شرياس جوبال من دويتشه بنك، في تصريحات نقلتها ليزيكو، إلى أن الجنيه انتعش تدريجيًا وبات بالقيمة الحقيقية أعلى مما كان قبيل التصويت.
في المقابل، تقلصت حصته من التداولات العالمية من 6.5% إلى 5%، ليجد نفسه ملاحَقًا من اليوان الصيني عند 4.3%، وإن احتفظت مدينة لندن بريادتها في سوق الصرف الأجنبي بحصة 38% من الحجم العالمي.
