قبل أيام من انعقادها، تتصدر قمة بكين المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ المشهد الدولي، في لقاء يوصف بأنه “مبارزة فردية” تحدد ملامح النظام العالمي. ورغم أن القمم الدبلوماسية غالبًا ما تكون أقل تأثيرًا مما يُروج له، إلا أن هذه القمة تحمل طابعًا استثنائيًا، وفق تقرير نشرته مجلة “فورين أفيرز”.

تأتي القمة في منعطف حساس للعلاقات بين واشنطن وبكين، حيث يتمتع كل من ترامب وشي بهامش واسع من الاستقلالية في اتخاذ القرار، مع طموح واضح لإعادة تشكيل المرحلة المقبلة. وقد تجاهل ترامب إلى حد كبير خبراء الصين المحيطين به أو هامشهم، بينما يحتل شي الموقع الأبرز بين متساوين داخل اللجنة الدائمة للحزب الشيوعي الصيني. ولم يشهد التاريخ منذ لقاء ريتشارد نيكسون وماو تسي تونغ عام 1972، مثل هذا القدر من السلطة الشخصية في إدارة العلاقة الثنائية.

ويزيد من حساسية القمة أن الطرفين يصران على عقدها رغم استمرار تداعيات الأزمة في إيران، التي تمثل عبئًا سياسيًا على واشنطن، بينما تستقبل بكين رئيسًا شنّ عمليات عسكرية ضد أحد أقرب شركائها، وفق “فورين أفيرز”.

ملفات كبرى على طاولة المباحثات

تتناول المباحثات ملفات كبرى تشمل التفوق العالمي في التكنولوجيا، ومسار المواجهة الأمريكية مع إيران، وتوازن القوى في آسيا، إضافة إلى وضع تايوان. لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت القمة ستكون بروتوكولية أم ستشكل تحولًا استراتيجيًا. وعلى عكس القمم السابقة التي كانت تخضع لتحضيرات دقيقة، يبدو أن هذه القمة ستعتمد بدرجة أكبر على قرارات الزعيمين مباشرة.

يُنظر إلى ترامب بوصفه عنصرًا غير متوقع في المعادلة؛ ما يثير مخاوف من أن تؤدي سياسته تجاه الصين إلى تقديم تنازلات أحادية أو “استرضاء غير مقصود”

نموذجان مختلفان للقيادة

يعكس كل من ترامب وشي نموذجًا مختلفًا جذريًا في القيادة؛ فبينما يعتمد ترامب على أسلوب قائم على الارتجال والمواجهة وكسر الأعراف، مع تفضيل القرارات المباشرة على البيروقراطية، والتركيز على “التعاملات” أكثر من البنى المؤسسية، فإن شي يجسد قيادة مركزية صارمة ومنضبطة، ذات طابع هرمي، تعتمد على السيطرة على المعلومات والسرد السياسي، وتتبنى نموذجًا مؤسسيًا متماسكًا يعكس رؤية طويلة الأمد للدولة والحزب. ورغم هذا التباين، يشترك الزعيمان في الإيمان القوي بالسلطة المركزية، والشك في النظام الدولي الليبرالي، وتبني سياسات تقوم على أولوية المصلحة الوطنية.

توازنات القوة والاختبار الاستراتيجي

وفقًا للمجلة الأمريكية، يمتلك شي رؤية استراتيجية أكثر وضوحًا، تقوم على الاستثمار في القوة العسكرية والتكنولوجية، مع قناعة بأن صعود الصين أمر حتمي، مقابل تراجع تدريجي للولايات المتحدة. في المقابل، تُوصف سياسة ترامب تجاه الصين بأنها متغيرة، تتراوح بين الشراكة والخصومة؛ ما يجعل التنبؤ بمواقفه أمرًا صعبًا. ويشير محللون إلى قرارات أمريكية متباينة شملت تخفيف قيود على تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الصين، مقابل صفقات تسليح كبيرة لتايوان، وإجراءات لتعزيز السيطرة على المعادن النادرة.

“الغموض الاستراتيجي” كأداة سياسية

يعتمد النهج الأمريكي الحالي على ما يُعرف بـ”الغموض الاستراتيجي”، وهو سياسة تهدف إلى إبقاء الصين في حالة عدم يقين بشأن نوايا واشنطن، خاصة في ملف تايوان. غير أن هذا النهج قد يتوسع ليشمل مجمل العلاقة مع بكين، بما يترك الحلفاء في حالة قلق بشأن احتمال الميل نحو التهدئة أو التنازل. وتعد القمة اختبارًا مباشرًا لموقع الولايات المتحدة في آسيا، في ظل استمرار التوترات حول تايوان وبحر الصين الجنوبي والسباق التكنولوجي. ومن المتوقع أن تكون ملفات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للاتصالات، من أبرز محاور التنافس بين الجانبين.

يشير التقرير إلى أن ما لا يُقال في القمة قد يكون بنفس أهمية ما يُقال؛ إذ يمكن أن يعكس غياب قضايا معينة أو عدم صدور بيان مشترك، مؤشرات على خلافات عميقة أو تفاهمات غير معلنة. كما لن تقتصر نتائج القمة على العلاقات الثنائية، بل ستؤثر على مواقف الحلفاء في أوروبا وآسيا، وعلى توازنات الإنفاق الدفاعي، وربما على إعادة تشكيل التحالفات الدولية.

وبينما لا تمثل القمة بين ترامب وشي مجرد لقاء دبلوماسي تقليدي، فإنها لحظة مفصلية في مسار التنافس بين قوتين عظميين؛ إذ تتداخل الاعتبارات الشخصية للزعيمين مع التحولات البنيوية في النظام الدولي، في مشهد يوصف بأنه “مبارزة فردية في عصر التكنولوجيا”.