
سجَّل قطاع غزة ارتفاعًا حادًا في وتيرة العنف خلال يناير الماضي، في انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ تطبيقه في أكتوبر الماضي، وسط تبادل الاتهامات بين إسرائيل وحماس حول خرق بنود الهدنة، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة لتطبيق خطة الرئيس دونالد ترامب للسلام في المنطقة.
أعلى حصيلة للهجمات منذ بدء الهدنة
كشفت مؤسسة “أكليد” الأمريكية المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة، أن إسرائيل نفذت أكثر من 370 عملية عسكرية في غزة خلال يناير، شملت غارات جوية وقصفًا مدفعيًا وعمليات إطلاق نار، وفقًا لـصحيفة”وول ستريت جورنال” الأمريكية. ويعد هذا الرقم الأعلى منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ.
وبررت المصادر العسكرية الإسرائيلية للصحيفة الأمريكية هذه الضربات بأنها جاءت ردًا على انتهاكات حماس، بما في ذلك عمليات إطلاق نار وخروج مسلحين من الأنفاق بالقرب من الخط الفاصل، فيما زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أن ضرباته استهدفت قيادات ومسلحين فلسطينيين، إضافة إلى مخازن أسلحة وبنية تحتية لحماس.
وقال تامير هايمان، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، لـ”وول ستريت جورنال”: “الجيش لا يستجيب بطريقة تكتيكية محدودة، بل يرد بشكل أعمق بكثير ضد قادة بارزين وبنية تحتية”.
وأشار محللون إلى أن إستراتيجية إسرائيل في غزة أصبحت تشبه نهجها في لبنان، حيث نفذت أكثر من ألف ضربة ضد حزب الله منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024.
تصاعد المواجهات عند الخط الفاصل
أظهرت بيانات “أكليد” تضاعف الحوادث العنيفة بالقرب من “الخط الأصفر” الفاصل في يناير، إذ وصلت إلى 43 حادثة.
وأوضح ناصر خضور، مدير الأبحاث المساعد للمؤسسة، أن الشهر شهد زيادة في محاولات مسلحين اختراق هذا الخط، حيث خرج مقاتلو حماس من الأنفاق وأطلقوا النار مرتين على الأقل، ما أسفر عن مقتل تسعة مسلحين وإصابة جنديين إسرائيليين.
وذكرت “وول ستريت جورنال” أن القوات الإسرائيلية قتلت مسلحًا حاول زرع عبوة ناسفة في شمال غزة، كما أطلق آخر صاروخًا فاشلًا من مدينة غزة.
ويبدو أن اتجاه التصاعد مستمر في فبراير، إذ رصدت منظمة “إيروورز” البريطانية زيادة في الحوادث المتفجرة.
خطة ترامب للسلام وتحديات التطبيق
يمثل التصاعد الأخير تحديًا للجهود الأمريكية لتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام، والتي تستهدف إيجاد إدارة وسيطرة أمنية جديدة في القطاع لتحل محل حماس، ولا يزال هناك تعقيدات في التنفيذ إذ ترفض الحركة نزع سلاحها، بينما تواصل إسرائيل فرض حصار أمني محكم.
وكشفت الصحيفة أن اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية المشكَّلة للإشراف على الحكم اليومي لم تدخل القطاع بعد، كما أن القوة الدولية لحفظ الاستقرار لا تزال في مرحلة تحديد مسؤولياتها ونشر جنودها.
وبينما تحسنت إمدادات الغذاء إلا أن إعادة الإعمار لم تبدأ بعد، ويعيش غالبية السكان في خيام أو منازل مدمَّرة جزئيًا.
وتشير تقارير إلى أن إسرائيل قلقة من استغلال حماس لوقف إطلاق النار لإعادة بناء قوتها، إذ عينت قادة جددًا وبدأت في ترميم بعض الأنفاق المتضررة.
ثمن باهظ يدفعه المدنيون
أسفر استمرار العنف عن سقوط ما يقرب من 600 شهيد منذ بدء الهدنة، وفقًا لمسؤولي الصحة الفلسطينيين.
وتروي دينا حمادة (40 عامًا) من مدينة غزة، لـ”وول ستريت جورنال”، أن أربعة من أقاربها استشهدوا، بينهم زوجان شابان ومولودهما حديث الولادة، عندما أصابت قذيفة خيمة العائلة في حي التفاح مطلع فبراير.
تقول دينا: “الحرب لم تنتهِ، أشعر أننا نحمل أرواحنا على أكفنا”، مضيفة: “اليوم أصور الجنازة، وغدًا قد نكون نحن من يُحمل على الأكتاف”.
قلق دولي
عبّر نيكولاي ملادينوف، مبعوث مجلس السلام لغزة، عن قلقه العميق مطلع فبراير، محذرًا من أن “هذه التطورات تعرض للخطر التقدم الذي تحقق بشق الأنفس بموجب قرار مجلس الأمن 2803 وخطة ترامب المكونة من 20 نقطة”.
ويستعد الرئيس الأمريكي لعقد أول اجتماع لـ”مجلس السلام” -المكلف بالإشراف على تنفيذ خطة غزة- في وقت لاحق من الشهر الجاري.
