تحل اليوم، 21 يونيو 2026، الذكرى السابعة والتسعون لميلاد المطرب عبد الحليم حافظ، الذي ولد في مثل هذا اليوم عام 1929، ليصبح أحد أبرز رموز الغناء العربي في القرن العشرين. بصوته العذب وأسلوبه المبتكر، جمع “العندليب الأسمر” بين الرومانسية والوطنية، مخلفاً إرثاً فنياً يضم أكثر من 230 أغنية و16 فيلماً سينمائياً، ما زالت حاضرة في وجدان الملايين حتى اليوم.

 

النشأة والبدايات

وُلد عبد الحليم علي إسماعيل شبانة في قرية الحلوات بمحافظة الشرقية، وفقد والدته بعد أيام من ولادته، ثم والده قبل أن يتم عامه الأول، فعاش في كنف خاله. أظهر اهتماماً مبكراً بالإنشاد والغناء، وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية.

في عام 1943، انتقل إلى القاهرة والتحق بمعهد الموسيقى العربية، حيث درس التلحين على يد أساتذة بارزين، وبرز في العزف على آلة الأوبوا. تخرج عام 1948، وعُين مدرساً للموسيقى في مدارس عدة، قبل أن يتفرغ للفن.

الانطلاقة الفنية
في عام 1951، تقدّم لاختبار الإذاعة المصرية، لكن صوته لم يحظَ بقبول فوري لاختلاف أسلوبه. حظي لاحقاً بدعم الإذاعي حافظ عبد الوهاب، الذي ساعده في دخول الوسط الفني واقترح عليه اسمه الفني “عبد الحليم حافظ”.

كانت أولى أعماله الرسمية قصيدة “لقاء” من كلمات صلاح عبد الصبور وألحان كمال الطويل، تلتها أغنية “صافيني مرة” من تلحين محمد الموجي، التي لم تلقَ نجاحاً في عرضها الأول، لكنها لاقت انتشاراً واسعاً لاحقاً. وفي عام 1954، قدّم أغنية “على قد الشوق” التي عززت حضوره في المشهد الغنائي كصوت ذي هوية فنية مغايرة.

الأغنية الوطنية ودوره السياسي
ارتبط إنتاج عبد الحليم بالسياق السياسي والاجتماعي، خاصة بعد ثورة يوليو 1952، حيث قدّم عدداً من الأغاني الوطنية التي تناولت بناء السد العالي وتأميم قناة السويس ودعم حركات التحرر العربية. تعاون في ذلك مع شعراء مثل صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي، وملحنين منهم كمال الطويل ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي. ومن أبرز أعماله الوطنية: “صورة”، “عدى النهار”، “أحلف بسماها”، و”حكاية شعب”.

شهدت أغانيه الوطنية نشاطاً متزايداً بعد نكسة 1967، حيث قدّم حفلات داخل مصر وخارجها، منها حفل في لندن عام 1969 خُصص ريعه لدعم الجهد الحربي المصري.

المسيرة السينمائية
بدأ نشاطه السينمائي عام 1955 بفيلم “لحن الوفاء” مع الفنانة شادية، تلاه 15 فيلماً آخر، من أبرزها: “أيام وليالي”، “بنات اليوم”، “حكاية حب”، “الخطايا”، و”أبي فوق الشجرة”. امتزجت هذه الأعمال بين الأداء التمثيلي والغنائي، وعكست ملامح المجتمع المصري في الخمسينيات والستينيات، وساهمت في توسيع حضوره الفني عربياً.

التعاونات الفنية
ارتبطت مسيرته بتعاونات موسيقية متنوعة، أبرزها مع الملحنين محمد الموجي، كمال الطويل، وبليغ حمدي (الذي لحّن له أكثر من 30 أغنية)، ومحمد عبد الوهاب. تعاون مع شعراء من بينهم مرسي جميل عزيز، محمد حمزة، ونزار قباني، إضافة إلى شعراء من دول عربية أخرى كالأمير عبد الله الفيصل من السعودية، مما أسهم في انتشار أغانيه عربياً.

الحفلات والانتشار العربي
أقام عبد الحليم حفلات غنائية في عدة عواصم عربية، كما شارك في حفل بقاعة ألبرت هول في لندن عام 1969. تميزت حفلاته بالتفاعل الجماهيري الواسع، واستمر تداول تسجيلاتها بعد وفاته.

المرض والوفاة
عانى عبد الحليم من داء البلهارسيا منذ الطفولة، وتطورت حالته إلى تليف كبدي. تعرّض لنزيف في المعدة عام 1956، وتلقى رعاية طبية في مصر وفرنسا وبريطانيا. توفي في 30 مارس 1977 في مستشفى كينغز كولدج بلندن، إثر نقل دم ملوث تسبب في التهاب كبدي فيروسي (فيروس سي)، إلى جانب مضاعفات تليف الكبد.

شُيع جثمانه في جنازة تاريخية بالقاهرة، قدّر عدد المشيعين فيها بأكثر من 2.5 مليون شخص، لتكون بذلك واحدة من كبرى الجنازات في تاريخ مصر.

الإرث الفني والتكريمات
بلغ رصيده الغنائي أكثر من 230 أغنية، تنوعت بين العاطفية والوطنية والدينية. حصل على العديد من الجوائز والأوسمة من مصر ودول عربية، وأطلقت اسمه على شوارع وقاعات فنية. وفي 21 يونيو 2011، احتفى محرك البحث “جوجل” بذكرى ميلاده الـ82.

جُسدت شخصيته في أعمال درامية، أبرزها فيلم “حليم” (2006) بطولة أحمد زكي، ومسلسل “العندليب: حكاية شعب”. ولا تزال أغانيه تحظى بشعبية واسعة، وتُقام فعاليات سنوية لإحياء ذكراه، ليظل “العندليب الأسمر” حاضراً في الذاكرة الجماعية العربية كرمز للرومانسية والوطنية.