
أكدت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يراجع خيارات عسكرية جديدة ضد إيران، ما يعيد احتمالات التصعيد العسكري إلى الواجهة بعد أسابيع من التهدئة الهشة.
يأتي ذلك، في ظل تعثر المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني واستمرار سيطرة طهران على مضيق هرمز.
وذكرت الصحيفة، أن ترامب عقد اجتماعًا صباح الجمعة داخل المكتب البيضاوي مع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، في خطوة بدت مرتبطة بمراجعة الخيارات العسكرية المتاحة لاحتمال استئناف حملة القصف ضد إيران، التي توقفت في الثامن من أبريل/نيسان الماضي.
وكشف رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كاين، عن الاجتماع خلال مراسم تخرج في الأكاديمية البحرية الأمريكية، دون الخوض في تفاصيل المناقشات.
أهداف متعددة
وبحسب التقرير، لم تعد واشنطن ترى تقدمًا فعليًا في المفاوضات النووية مع طهران، بعدما وصلت المحادثات إلى “طريق مسدود”، بالتزامن مع استمرار الأزمة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.
وأشار إلى أن قائمة الأهداف المحتملة لا تزال واسعة، وتشمل منشآت طاقة لم تتعرض للقصف خلال نحو 38 يومًا من العمليات السابقة، إضافة إلى موقع التخزين النووي العميق في أصفهان، الذي يحتوي على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب القريب من المستوى المستخدم في تصنيع السلاح النووي، فضلًا عن مواقع صاروخية سبق استهدافها في مارس/آذار الماضي، لكنها تبدو وكأنها استعادت جزءًا من جاهزيتها.
كما نقلت الصحيفة عن ترامب قوله إنه ألغى مشاركته في حفل زفاف نجله، دونالد ترامب الابن، بسبب “ظروف تتعلق بالحكومة”، في إشارة إلى حساسية التطورات الحالية.
إخفاق في الحسم
وأكد التقرير، أن إدارة ترامب تواجه واقعًا أكثر تعقيدًا مقارنة ببداية العمليات العسكرية التي انطلقت أواخر فبراير/شباط بالتنسيق مع إسرائيل، إذ لم تنجح الضربات السابقة، رغم كثافتها، في إجبار القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات حاسمة.
ورغم تدمير أجزاء واسعة من البحرية الإيرانية وسلاح الجو ومواقع الصواريخ والقواعد العسكرية، لا يزال مخزون اليورانيوم عالي التخصيب موجودًا في منشأة أصفهان تحت الأرض، فيما تراجعت القدرات الصاروخية الإيرانية دون أن يتم القضاء عليها بالكامل.
كما بقي مضيق هرمز تحت النفوذ الإيراني، رغم استمرار البحرية الأمريكية في اعتراض الشحنات المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية.
وبحسب الصحيفة، ارتفعت المخاطر السياسية المرتبطة بأي تصعيد جديد، خاصة مع تجاوز أسعار الوقود خمسة دولارات للغالون في بعض الولايات الأمريكية، إضافة إلى تراجع شعبية ترامب إلى نحو 37% وفق استطلاعات الرأي، وسط تنامي المعارضة الشعبية للحرب.
الطاقة والبنية التحتية
وأفادت الصحيفة بأن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في توسيع الهجمات على البنية التحتية الإيرانية، بما يشمل محطات الكهرباء وتحلية المياه وآبار النفط والطرق والجسور، في محاولة لزيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية على طهران.
لكن هذا الخيار يثير جدلًا قانونيًا وسياسيًا داخل الولايات المتحدة، بعدما اعتبر منتقدون أن استهداف منشآت مدنية قد يرقى إلى جرائم حرب، ويشبه الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية منذ العام 2022. في المقابل، تقول وزارة الدفاع الأمريكية إن الأهداف التي تمت مراجعتها ترتبط بصورة مباشرة بالحرس الثوري الإيراني.
وترى الإدارة الأمريكية، أن ضرب منشآت مرتبطة بالحرس الثوري قد يدفع مراكز القوة داخل إيران إلى تقديم تنازلات أكبر خلال أي مفاوضات مستقبلية، إلا أن التقرير أشار إلى أن هذا النهج لا يضمن انهيار الموقف الإيراني، رغم ما قد يسببه من معاناة واسعة للسكان.
قلق أمريكي
وفي ملف الصواريخ، كشفت الصحيفة أن المخططين العسكريين الأمريكيين ناقشوا تنفيذ حملة قصف مكثفة على طول مضيق هرمز بهدف تقليص سيطرة إيران على الممر البحري الذي كان ينقل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية قبل الحرب.
إلا أن البنتاغون يواجه معضلة متزايدة مرتبطة بتراجع مخزون الصواريخ بعيدة المدى والذخائر الثقيلة اللازمة لتدمير المواقع الإيرانية المحصنة تحت الأرض. ولهذا، استخدمت واشنطن سابقًا ذخائر أخف تهدف إلى إغلاق مداخل المواقع الصاروخية بدلًا من تدميرها بالكامل.
لكن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية أظهرت أن إيران استعادت الوصول إلى 30 موقعًا صاروخيًا من أصل 33 على طول المضيق، فيما بات نحو 90% من منشآت تخزين وإطلاق الصواريخ تحت الأرض “عاملة جزئيًا أو بالكامل”، وفق التقرير.
اليورانيوم
أشارت الصحيفة إلى أن أحد أكثر الملفات حساسية يتعلق بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب، حيث يدرس ترامب خيار تنفيذ ضربات مباشرة باستخدام قنابل خارقة للتحصينات لاستهداف المنشآت العميقة في أصفهان.
وكشفت أن الولايات المتحدة وإسرائيل ناقشتا، في بداية الحرب، خطة معقدة لإرسال قوات خاصة إلى داخل إيران لاستعادة اليورانيوم، بل جرى إعداد مهبط جوي مؤقت داخل الأراضي الإيرانية لنقل الحاويات التي تحتوي على المادة المخصبة بنسبة 60%. إلا أن ترامب رفض العملية لاحقًا بسبب المخاطر العالية واحتمالات سقوط خسائر بشرية.
ورغم أن ضرب الموقع قد يمنع وصول إيران إلى المخزون النووي، فإن التقرير أشار إلى أن أي هجوم جديد قد يجعل من الصعب التأكد مما إذا كانت طهران قد نقلت جزءًا من اليورانيوم إلى مواقع أخرى قبل الضربة.
استهداف القيادة الإيرانية
كما تناول التقرير احتمالات استهداف شخصيات قيادية إيرانية جديدة، بعدما قتلت إسرائيل خلال الحرب المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وعددًا من كبار المسؤولين المرتبطين بالبرنامج النووي الإيراني.
وذكرت الصحيفة، أن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي، يُنظر إليه باعتباره خيارًا مدعومًا من الحرس الثوري الإيراني، فيما أبدى ترامب استياءه من صعوده إلى السلطة، رغم وصفه النظام الإيراني الجديد سابقًا بأنه “معقول”.
كما أشارت إلى تهديدات مبطنة أطلقها ترامب ضد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي شارك في محادثات سلام مع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في إسلام آباد خلال مارس/آذار الماضي.
