
تحل سنوياً عشرات الآلاف من قوارب الهجرة غير الشرعية على السواحل الإيطالية، قادمة أساساً من شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وخلال عام 2025، قدّرت السلطات الإيطالية عدد المهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا عبر البحر المتوسط بنحو 66 ألف شخص، وهو رقم يبقى أقل بكثير من ذروة عام 2023 التي شهدت وصول نحو 157 ألف مهاجر.
لكن مقارنة بهذه الأرقام، تبقى حادثة صيف عام 1991 واحدة من أكثر مشاهد الهجرة الجماعية إثارة في تاريخ إيطاليا الحديث، حين وصل أكثر من 20 ألف مهاجر ألباني إلى البلاد خلال يوم واحد فقط، على متن سفينة شحن واحدة.
انهيار ألبانيا
وعاشت ألبانيا لعقود طويلة تحت حكم شيوعي صارم قاده أنور خوجة، الذي فرض عزلة شبه كاملة على البلاد وقلّص العلاقات مع الخارج، بالتزامن مع تشديد الرقابة الداخلية والحد من الحريات.
كما عانت البلاد خلال تلك الفترة من تدهور اقتصادي حاد، تفاقم مع الخلافات السياسية التي دخلت فيها تيرانا مع كل من الاتحاد السوفيتي والصين. ومع نهاية الثمانينيات، بدأ المعسكر الشيوعي في أوروبا الشرقية بالانهيار، لتدخل ألبانيا بدورها مرحلة تفكك سياسي واقتصادي تدريجي عام 1990.
وخلال تلك الفترة، واجه الألبان نقصاً حاداً في المواد الغذائية، وانقطاعات متكررة للكهرباء، وارتفاعاً كبيراً في البطالة والتضخم، ما دفع كثيرين إلى التفكير بالهجرة بأي وسيلة ممكنة.

حلم إيطاليا
في المقابل، شكّلت إيطاليا بالنسبة لكثير من الألبان صورة “الحياة الأفضل”. فمن خلال القنوات التلفزيونية الإيطالية التي كان يمكن التقاطها داخل ألبانيا، شاهد السكان متاجر ممتلئة بالبضائع وسيارات حديثة وأسلوب حياة مختلفاً تماماً عما يعيشونه.
ومع تفاقم الأزمة الداخلية، تحولت الهجرة إلى إيطاليا إلى حلم جماعي، وبدأ آلاف الألبان بمحاولات عبور البحر الأدرياتيكي باستخدام قوارب صغيرة وسفن صيد.

سفينة “فلورا”
وفي 7 أغسطس 1991، وصلت سفينة الشحن الألبانية “فلورا” إلى ميناء دوريس قادمة من كوبا وعلى متنها شحنة من قصب السكر. وبمجرد انتشار شائعة تفيد بأن السفينة ستتجه إلى إيطاليا، اندفع آلاف الألبان نحو الميناء، واخترقوا الحواجز الأمنية وصعدوا بالقوة إلى السفينة.
وامتلأت “فلورا” بالكامل، حتى بات من المستحيل تقريباً التحرك فوق سطحها، فيما أجبر الركاب طاقم السفينة على الإبحار نحو إيطاليا.

صدمة في باري
عند وصول السفينة إلى ميناء باري الإيطالي، فوجئت السلطات الإيطالية بالمشهد، إذ كان أكثر من 20 ألف شخص متكدسين على متن سفينة شحن وسط ظروف إنسانية قاسية. وانتشرت صور السفينة حول العالم، لتصبح رمزاً لانهيار الأنظمة الشيوعية ورغبة السكان في الفرار نحو أوروبا الغربية.
ورغم رفض السلطات الإيطالية في البداية استقبال هذا العدد الكبير من المهاجرين، فإنها اضطرت لاحقاً إلى السماح لهم بالنزول بسبب تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية على متن السفينة.
ونُقل معظم الألبان إلى ملعب مدينة باري، حيث تم توفير الغذاء والمياه والرعاية الطبية لهم وسط إجراءات أمنية مشددة من الشرطة والجيش. كما لجأت المروحيات إلى إلقاء قوارير المياه داخل الملعب مع ارتفاع درجات الحرارة وخشية وقوع وفيات بسبب العطش والإرهاق.
لكن إيطاليا، التي أكدت عدم قدرتها على استيعاب هذا العدد الكبير من المهاجرين، بدأت لاحقاً عمليات إعادة جماعية للألبان إلى بلادهم، بالتزامن مع تشديد الرقابة على حدودها البحرية.
وتحوّلت حادثة “فلورا” لاحقاً إلى واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الهجرة الحديثة بأوروبا، ورمز مبكر للأزمات الإنسانية المرتبطة بالهجرة الجماعية عبر البحر.
