هايتي تتمسك بدور القوات الأجنبية في مواجهة العصابات.. ومخاوف من تعقيد المشهد الأمني
أكد رئيس وزراء هايتي أن القوات الأجنبية الموجودة في البلاد تدعم مؤسسات الدولة ولا تحل محلها، وسط تساؤلات بشأن صلاحياتها وتنسيق العمليات الأمنية ضد العصابات.
تواجه هايتي مرحلة جديدة من التعقيد الأمني والسياسي، مع استمرار انتشار العصابات المسلحة واتساع نطاق سيطرتها في مناطق من البلاد، بالتزامن مع وجود قوات أجنبية تشارك في جهود دعم الأمن، وهو ما أثار تساؤلات بشأن طبيعة مهامها والجهة التي تشرف على تحركاتها والضمانات القانونية المنظمة لوجودها.
وفي تصريحات جديدة يوم 4 نوفمبر 2026، دافع رئيس الوزراء الهايتي أليكس ديدييه فيلس إيميه عن وجود القوات السلفادورية في البلاد، مؤكدًا أن هذه القوات جاءت لمساندة الدولة الهايتية وليس لاستبدال مؤسساتها أو الحلول محل أجهزتها الأمنية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطًا متزايدة لاستعادة السيطرة على المناطق التي تنشط فيها العصابات، وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة الاستقرار وإجراء الانتخابات، بعد سنوات من الاضطرابات السياسية والانفلات الأمني.
لماذا تشارك قوات من السلفادور في هايتي؟
تشارك عناصر سلفادورية في الجهود الرامية إلى مساعدة هايتي على مواجهة الأزمة الأمنية، وقد جاء انتشار أكثر من ألفي عنصر وفق المعلومات المنشورة بشأن المهمة، بعد اختفاء أربعة فنيين سلفادوريين في مجال الطيران إثر هجوم وقع خلال أكتوبر الماضي.
ويثير وجود هذه القوات اهتمامًا خاصًا بسبب تعدد الجهات الأمنية العاملة في البلاد، واختلاف الأطر التي تتحرك من خلالها. فهناك القوات الهايتية، والبعثة المدعومة من الأمم المتحدة والمكلفة بمساندة جهود مكافحة العصابات، إلى جانب عناصر وقوات أخرى تعمل في إطار ترتيبات مختلفة.
وتقول الحكومة الهايتية إنها تقود الجهود الأمنية داخل البلاد، وإن وجود القوات الأجنبية يستهدف تقديم الدعم في مواجهة التهديدات التي تتجاوز قدرات الأجهزة المحلية في بعض المناطق.
لكن طبيعة هذا الدعم تظل محل تساؤل، خصوصًا فيما يتعلق بمدى استقلالية القوات المشاركة، والقواعد التي تنظم استخدام القوة، والجهة المسؤولة عن التحقيق في أي تجاوزات محتملة.
رئيس الوزراء: القوات الأجنبية لا تحل محل الدولة
حاول رئيس الوزراء الهايتي من خلال تصريحاته التأكيد على أن حكومته لا تتنازل عن مسؤوليتها في إدارة الملف الأمني، وأن الاستعانة بعناصر أجنبية لا تعني نقل سلطة الدولة إليها.
ويكتسب هذا التأكيد أهمية في ظل حساسية مسألة التدخل الخارجي داخل هايتي، التي شهدت خلال تاريخها تدخلات دولية متعددة، بعضها ارتبط بعمليات حفظ السلام أو دعم المؤسسات، بينما أثارت تدخلات أخرى انتقادات بشأن السيادة والمساءلة والنتائج طويلة المدى.
وتواجه الحكومة الحالية تحديًا يتمثل في تحقيق توازن بين الحاجة إلى دعم خارجي عاجل لمواجهة العصابات، وبين ضرورة الحفاظ على سلطة المؤسسات الوطنية، وضمان خضوع جميع القوات العاملة داخل البلاد لقواعد واضحة.
كما أن نجاح أي خطة أمنية لا يرتبط فقط بعدد العناصر المنتشرة أو حجم المعدات المتاحة، بل يتطلب وجود قيادة موحدة، وتبادلًا للمعلومات، وتحديدًا دقيقًا للمسؤوليات، إلى جانب آليات لمراقبة الأداء ومحاسبة المتجاوزين.
الأمم المتحدة تثير تساؤلات بشأن الإطار القانوني للمهمة
تزداد أهمية الأسئلة المتعلقة بالوجود السلفادوري في ظل الإشارات إلى أن معظم العناصر السلفادورية لا تعمل ضمن الإطار الرسمي للبعثة المدعومة من الأمم المتحدة والمكلفة بمساندة جهود مكافحة العصابات.
ويثير هذا الوضع تساؤلات حول طبيعة الاتفاقات التي تسمح بوجود القوات، والجهة التي تصدر الأوامر إليها، والقواعد التي تحكم تعاملها مع المدنيين والمشتبه في تورطهم في أعمال العنف.
وتشمل المسائل المطروحة كذلك مدة المهمة، وآليات الرقابة، وحدود الصلاحيات الممنوحة للعناصر الأجنبية، وكيفية التعامل مع الشكاوى أو الحوادث التي قد تقع أثناء تنفيذ العمليات.
ولا يعني وجود هذه التساؤلات أن القوات ارتكبت مخالفات، لكنه يعكس الحاجة إلى إعلان تفاصيل قانونية وتشغيلية واضحة، حتى لا تتحول تعددية الجهات الأمنية إلى مصدر إضافي للارتباك أو ضعف المساءلة.
العصابات المسلحة تزيد صعوبة استعادة الاستقرار
تواجه هايتي تحديًا أمنيًا واسعًا بسبب انتشار الجماعات المسلحة التي تفرض نفوذها على مناطق من العاصمة بورت أو برنس ومحيطها، وتؤثر في حركة السكان والتجارة والخدمات الأساسية.
وتسببت أعمال العنف في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، كما دفعت أعدادًا من السكان إلى مغادرة منازلهم، وأضعفت قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات العامة بصورة منتظمة.
وتشير البيانات التي أوردتها التقارير الدولية إلى أن أعمال العنف المرتبطة بالعصابات تسببت في مقتل أو إصابة أكثر من 5700 شخص خلال العام الجاري، وهو رقم يعكس حجم الأزمة التي تواجهها البلاد، وإن كان لا يختصر وحده جميع الأضرار الإنسانية والاقتصادية الناتجة عن استمرار الصراع.
وتكمن خطورة الوضع في أن نفوذ العصابات لا يقتصر على المواجهات المسلحة، بل يمتد إلى تعطيل الطرق وتهديد الأنشطة التجارية وفرض قيود على حركة السكان، بما يضعف قدرة الدولة على استعادة حضورها في المناطق المتضررة.
الحكومة تتحدث عن تعزيز الشرطة والجيش
في مواجهة الأزمة، أشار رئيس الوزراء إلى جهود تستهدف زيادة أعداد أفراد الشرطة وتوسيع قدرات المؤسسات الأمنية والعسكرية، بما يساعد على استعادة السيطرة على المناطق التي تشهد نشاطًا للعصابات.
وتتضمن هذه الجهود دعم عمليات التجنيد والتدريب، وتحسين قدرة الأجهزة المحلية على تنفيذ المهام الأمنية، إلى جانب الاستعانة بالدعم الخارجي في المجالات التي تحتاج إلى خبرات أو إمكانات إضافية.
لكن توسيع القوات وحده لا يكفي لإنهاء الأزمة؛ إذ تحتاج هايتي إلى خطة أوسع تشمل إصلاح المؤسسات، وتحسين منظومة العدالة، وملاحقة مصادر تمويل الجماعات المسلحة، وتأمين المرافق العامة، وإعادة بناء الثقة بين السكان وأجهزة الدولة.
كما أن استمرار الاضطرابات الاقتصادية وضعف الخدمات قد يوفران بيئة تساعد العصابات على توسيع نفوذها، وهو ما يجعل الحل الأمني مرتبطًا بتحسين الظروف المعيشية وفتح مسارات سياسية تسمح بعودة المؤسسات المنتخبة.
تعدد الجهات الأمنية يهدد بتضارب المسؤوليات
من أبرز التحديات التي تواجه العملية الأمنية في هايتي تعدد الجهات المشاركة، إذ تعمل القوات المحلية والبعثة المدعومة من الأمم المتحدة والقوات الأجنبية الأخرى في بيئة واحدة، لكن ليس بالضرورة ضمن منظومة قيادة موحدة.
ويحذر خبراء من أن غياب التنسيق الواضح قد يؤدي إلى تضارب المهام، أو تكرار العمليات في مناطق معينة، أو ترك مناطق أخرى دون تغطية كافية، فضلًا عن صعوبة تحديد المسؤولية عند وقوع أخطاء أو انتهاكات.
وتزداد أهمية التنسيق في المدن والمناطق المكتظة بالسكان، حيث تتطلب العمليات الأمنية معلومات دقيقة وتخطيطًا يراعي سلامة المدنيين، ويحد من الأضرار التي قد تلحق بالمنازل والمرافق الحيوية.
ومن ثم، فإن وضع قواعد مشتركة لتبادل المعلومات وتحديد مناطق الانتشار ومسؤوليات كل قوة يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح أي تدخل أمني.
هل تستطيع هايتي استعادة الاستقرار وإجراء الانتخابات؟
تعلن الحكومة أن استعادة الأمن تمثل شرطًا أساسيًا لإعادة الحياة السياسية إلى مسارها الطبيعي، وإتاحة الفرصة لإجراء انتخابات تعيد بناء المؤسسات على أساس شرعي.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من خفض مستوى العنف مؤقتًا؛ فإجراء انتخابات حقيقية يحتاج إلى تأمين مراكز الاقتراع، وضمان حرية حركة المرشحين والناخبين، وحماية العملية الانتخابية من تهديدات الجماعات المسلحة.
كما أن نجاح الانتخابات لن يكون كافيًا وحده لمعالجة جذور الأزمة، ما لم يصاحبه برنامج طويل الأمد لإصلاح أجهزة الدولة، وتعزيز القضاء، وتوفير الخدمات الأساسية، وفتح فرص اقتصادية تقلل من قدرة العصابات على استقطاب عناصر جديدة.
وتكشف التطورات الأخيرة أن هايتي تقف أمام اختبار صعب: فهي تحتاج إلى دعم دولي لمواجهة أزمة تتجاوز إمكاناتها الحالية، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بضمان أن يكون هذا الدعم خاضعًا لإطار قانوني واضح، وأن يسهم في تقوية مؤسساتها بدلًا من زيادة اعتمادها على القوى الخارجية.
وفي النهاية، ستتوقف فعالية الوجود الأجنبي على وضوح مهامه، وتنسيق عملياته، وخضوعه للمساءلة، ومدى قدرته على مساعدة الدولة الهايتية في استعادة دورها الأمني والسياسي، دون أن يتحول إلى بديل دائم عن المؤسسات الوطنية.



