موجة حر استثنائية تضع نصف فرنسا تحت “الإنذار الأحمر”

post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

 

وضعت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية “ميتيو فرانس” 49 محافظة في حالة إنذار أحمر، في رقم لم يُسجَّل منذ إطلاق منظومة الإنذار عام 2004، فيما أُغلقت 845 مدرسة وكلية وعدلت 1800 مؤسسة تعليمية جداولها، وسط موجة حر استثنائية تضرب فرنسا وتكشف عن خلل إداري متراكم دفع الآباء إلى النزول بأنفسهم لحماية أبنائهم داخل الفصول.

آباء يُقاومون الحر بأيديهم

رصدت صحيفة “لو باريزيان” أن موجة غضب اجتاحت أولياء الأمور في مدن عدة، بعد أن تأخرت البلديات في تجهيز المدارس بأدوات التبريد، ففي مدينة بوجيفال بمنطقة إيفلين قرب باريس، تجمع عدد من الآباء وزودوا مدرسة أبنائهم بمراوح وخرطوم رش بالرذاذ للتبريد، على نفقتهم الخاصة؛ إذ لم تصل بعد أجهزة طلبتها البلدية قبل أسابيع.

وقال أحد هؤلاء الآباء للصحيفة: “درجة الحرارة داخل الفصول تصل إلى 35 درجة، ولا يمكننا الانتظار. السلطات لم تستعد رغم أن موجة حر ضربتنا بالفعل في مايو”.

وفي مدينة نانت، اختار الآباء حلًا أكثر جرأة، إذ طلوا زجاج نوافذ إحدى الرياض بمادة بيضاء؛ لصد أشعة الشمس، وهو الأسلوب نفسه الذي لجأت إليه أسر في لدائرة الـ11 بالعاصمة.

وكشفت أميلي لو بروفوست، وهي أم لثلاثة أطفال وعضو في تجمع أولياء أمور أسسه آباء نانت للمطالبة بتبريد الفصول الدراسية، لـ”لو باريزيان”، أن هذه الخطوة جاءت بعد سنوات من المطالبات التي لم تُجدِ: “أرسلنا رسائل لجميع مدارس نانت، ولكن معظمها يرفض تركيب واقيات على النوافذ، وكثير منها مبانٍ زجاجية بالكامل”.

كما لجأت مدرسة باريسية أخرى إلى سحب أموال من صندوق الأنشطة المدرسية لشراء خرطوم رش بالرذاذ للتبريد، في خطوة وصفتها مديرتها بأنها “ضرورة لا تندم عليها”.

بيروقراطية تعيق الإغاثة

لم تخلُ الأزمة من مشاهد استفزازية تكشف عمق الخلل الإداري، إذ رفضت الإدارة في إحدى المدارس بباريس، قبول مراوح تبرع بها الأهالي، مستندةً إلى تعليمات تحظر إدخال أجهزة كهربائية من خارج مخزون البلدية؛ خشية تحمل المسؤولية القانونية عند أي حادث.

وكشفت مديرة المدرسة، في رسالة نقلتها “لو باريزيان”، عن مرارتها، مشيرةً إلى أن ما أرسلته البلدية حتى اللحظة لا يعدو “ثلاث مراوح مكتبية صغيرة”، بينما تطالب المدرسة بمراوح جدارية أو سقفية وستائر خارجية.

وعلّق أحد آباء بوجيفال على هذا الواقع بغضب: “في لحظات الطوارئ، لا يمكن للإجراءات البيروقراطية أن تتقدم على سلامة الأطفال الذين يُصابون بالإغماء”.

في مقابل هذا التقصير، تحركت بعض السلطات متأخرةً، إذ أعلن رئيس بلدية باريس إيمانويل جريجوار عن طلبية تضم أكثر من 1200 جهاز تكييف، تبدأ بتسليم 150 منها، صباح الاثنين، وجهاز واحد لكل مدرسة بنهاية الأسبوع، إضافة إلى مراوح سقفية.

وأعلنت رئيسة منطقة إيلدوفرانس فاليري بيكريس عن رصد مليون يورو لتجهيز 500 ثانوية تستضيف امتحانات الباكالوريا بمراوح ونظام رش بالرذاذ للتبريد، مع صرف المبالغ للمدارس دون اشتراط مستندات لتسريع الإجراءات.

أرقام قياسية تاريخية

على صعيد الأرصاد، وثقت كلٌ من “ميتيو فرانس” وصحيفة ليبراسيون، أرقامًا ليلية غير مسبوقة، إذ لم ينزل الميزان طوال ليلة الأحد عن 24.8 درجة في تور، و24.6 في بواتييه، و25.3 في بوردو، و24.1 في بورج، في سابقة تاريخية لا تقتصر على شهر يونيو بل تطال كل الأشهر.

وفي باريس، سُجِّلَت 25 درجة عند الفجر في محطة “مونسوري”، فيما تتوقع الهيئة بلوغ درجات الحرارة الليلية في العاصمة 30 درجة لثلاث ليالٍ متتالية منتصف الأسبوع.

ويرجح نموذج التوقعات الأمريكي “Global Forecast System” عودة الأرقام إلى 40 درجة في نهاية يونيو، وإن كانت “ميتيو فرانس” تحث على قراءة هذه التوقعات بحذر.

غرقى وضحايا

أفضى الهروب من الحر إلى كارثة إنسانية موازية، إذ أعلنت الحماية المدنية الفرنسية عن 13 حالة غرق على الأقل خلال عطلة نهاية الأسبوع، وفقًا لما أوردته “ليبراسيون”، من بينها طفلة في الثالثة عشرة من عمرها، وشاب في محافظة سين ومارن، جراء الاندفاع إلى مسطحات مائية غير مراقبة.

كما توفي ثلاثة مسنين تتراوح أعمارهم بين 80 و95 عامًا بسبب الحرارة، بحسب ما أكدته مسؤولة المحافظة لقناة فرانس 3.

وفي هذا السياق، حذر المتحدث باسم الحماية المدنية جيروم بولانجيه: “التبرد واجب، لكن السباحة يجب أن تكون في أماكن مراقبة ومخصصة”.