يشهد المشهد الإعلامي في الولايات المتحدة تصعيدًا غير مسبوق في المواجهة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووسائل الإعلام، مع تصاعد الإجراءات القانونية والتنظيمية التي استهدفت مؤسسات صحفية كبرى خلال الأشهر السبعة عشر الأولى من ولايته الرئاسية الثانية.

وعلى الرغم من أن إدارة ترامب كثّفت ضغوطها على المؤسسات الإعلامية، فإن مراقبين يرون أن الحرب على الإعلام لم تحسم بعد، إذ تواصل العديد من المؤسسات الصحفية نشر تحقيقات وتقارير ناقدة للإدارة، رغم ما تواجهه من تحديات متزايدة.

سلسلة من الضغوط

وشملت الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب رفع دعاوى قضائية ضد مؤسسات إعلامية، إلى جانب ممارسة ضغوط تنظيمية عبر لجنة الاتصالات الفيدرالية على شبكات تلفزيونية مثل “إي بي سي نيوز” بسبب تغطيتها الناقدة للرئيس الأمريكي.

كما قلّصت الإدارة بشكل ملحوظ وصول الصحفيين إلى كل من البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأمريكية، بينما استخدمت قوانين العمل للضغط على صحيفة “نيويورك تايمز” من خلال دعوى رفعتها لجنة تكافؤ فرص العمل، وهو ما وصفته الصحيفة بأنه إجراء “ذو دوافع سياسية”.

وفي خطوة أثارت انتقادات واسعة من المدافعين عن حرية التعبير، داهمت السلطات منزل إحدى صحفيات “واشنطن بوست”، كما أصدرت مذكرات استدعاء لصحفيين من الصحيفة و”وول ستريت جورنال” على خلفية تغطيات تتعلق بقضايا الأمن القومي، قبل أن تتراجع عنها لاحقًا.

وفي أحدث حلقات التصعيد، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن خمسة من مراسليها تلقوا أوامر بالمثول أمام هيئة محلفين كبرى في نيويورك للإدلاء بشهاداتهم، وهو ما اعتبره محامي الصحيفة ديفيد ماكرو محاولة لترهيب الصحفيين ومنعهم من أداء عملهم.

مخاوف من إضعاف دور الصحافة

ويرى تشاك تود، المذيع السابق لبرنامج “ميت ذا برس” على شبكة “إن بي سي” أن إدارة ترامب نجحت في إضعاف تأثير الصحافة التقليدية عبر تعزيز حضور المؤثرين والإعلاميين المحافظين المؤيدين للرئيس داخل الجسم الصحفي المعتمد لتغطية البيت الأبيض.

وقال إن وجود هؤلاء ساهم في تقليص تأثير الصحفيين المتخصصين في محاسبة السلطة، مضيفًا أن الإدارة “نجحت في تخفيف تأثير الصحافة الرقابية”.

ورغم استمرار مؤسسات إعلامية مثل “سي بي إس نيوز” في تقديم تغطيات استقصائية، فإن بعض المراقبين يرون أن علاقات مالكيها الجدد المقربين من ترامب تثير تساؤلات بشأن استقلاليتها.

ويبرز في هذا السياق اسم رجل الأعمال ديفيد إليسون ووالده لاري إليسون، مؤسس شركة “أوراكل”، اللذين حصلا على موافقة وزارة العدل للاستحواذ على شبكة “سي إن إن”، الأمر الذي أثار مخاوف من احتمال تعديل نهج الشبكة التحريري لتجنب الصدام مع الإدارة.

الصحافة تكشف الملفات

في المقابل، يؤكد مسؤولون سابقون في المؤسسات الإعلامية أن الصحافة الأمريكية لا تزال تؤدي دورها الرقابي.

وقال مارتي بارون، الرئيس التنفيذي السابق لتحرير صحيفة “واشنطن بوست”، إن أفضل دليل على استمرار الإعلام في أداء دوره هو “هوس الإدارة المستمر بملاحقة التسريبات”، مشيرًا إلى أن المؤسسات الإعلامية تنشر بصورة شبه يومية تحقيقات تكشف معلومات تثير استياء الإدارة.

وأضاف أن السؤال الحقيقي يتمثل في “القصص التي لم تُنشر”، موضحًا أن من الصعب قياس حجم الرقابة الذاتية أو تأثير الضغوط الحكومية على القرارات التحريرية.

وفي يناير الماضي، داهم مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) منزل الصحفية هانا ناتانسون، بعد نشرها تقريرًا ينتقد الدور الأمريكي في فنزويلا، ولا يزال جهاز الكمبيوتر الخاص بها بحوزة السلطات في إطار تحقيق يتعلق بتسريب معلومات سرية.

كما هدد ترامب بمقاضاة “نيويورك تايمز” و”سي إن إن” بسبب تقارير تناولت تقييمًا استخباراتيًا مسربًا بشأن نتائج عملية عسكرية أمريكية ضد إيران في يونيو 2025، قبل أن يتراجع عن تنفيذ تهديده.

وفي أبريل الماضي، لوّح أيضًا بسجن صحفي رفض الكشف عن مصدر معلومات تتعلق بجندي أمريكي مفقود بعد إسقاط طائرته فوق إيران.

ضغوط على المؤسسات الإعلامية

وأشار صحفي تلفزيوني مخضرم، فضّل عدم الكشف عن هويته، إلى أن بعض مسؤولي المؤسسات الإعلامية أصبحوا أكثر حذرًا في تغطية أخبار ترامب خشية التعرض لضغوط حكومية.

وأوضح أن إدارات بعض الشركات الإعلامية خففت من حدة خطابها تجاه الإدارة، ليس بسبب تدخل مباشر في العمل التحريري، وإنما خوفًا من أن تصبح هدفًا للعقوبات أو الملاحقات الحكومية.

في المقابل، اختارت مؤسسات إعلامية كبرى، مثل “إي بي سي” و”نيويورك تايمز”، مواجهة الإدارة قانونيًا.

فقد طعنت شبكة “إي بي سي” في تحقيقات لجنة الاتصالات الفيدرالية المتعلقة ببرنامج The View، معتبرة أن الإجراءات الحكومية تؤثر سلبًا في حرية التعبير مع اقتراب انتخابات عام 2026.

كما رفعت “نيويورك تايمز” عدة دعاوى قضائية لاستعادة وصول صحفييها إلى البنتاجون، وواصلت الدفاع عن تغطياتها الصحفية في مواجهة الانتقادات الرسمية والدعاوى القضائية.

وقالت آنا جوميز، العضو الديمقراطي في لجنة الاتصالات الفيدرالية، إن بعض المؤسسات الإعلامية استسلمت للضغوط، لكن قرار “إي بي سي” وديزني بمقاومة الإدارة قد يشجع مؤسسات أخرى على اتخاذ الموقف نفسه.