أعادت عودة وزيرة النقل البريطانية السابقة لويز هايج، إلى قلب المشهد السياسي في إنجلترا فتح النقاش حول حدود المساءلة السياسية، وإمكان استعادة النفوذ بعد الفضائح، فبعد أشهر من استقالتها من الحكومة إثر الكشف عن إدانتها في قضية احتيال جنائية، برز اسمها مجددًا بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الدائرة المقربة من رئيس الوزراء المحتمل أندي بورنهام.

نهاية حكومية

وبحسب صحيفة “ذا تليجراف” البريطانية، فإن هايج، التي غادرت منصبها وزيرة للنقل تحت ضغط قضية جنائية تعود إلى عام 2014، أصبحت اليوم تؤدي دورًا محوريًا في الفريق السياسي لبورنهام، حتى إن كثيرين داخل الحزب يرون أنها ستكون عمليًا ذراعه اليمنى، بصرف النظر عن المسمى الرسمي الذي ستتولاه.

كانت هايج تُلقي خطابًا في قاعة مدينة ليدز البريطانية عندما بدأت الأزمة التي أنهت مسيرتها الوزارية، ففي ذلك اليوم، سُربت إلى وسائل إعلام تفاصيل إدانتها السابقة، قبل أن تقدم استقالتها في صباح اليوم التالي، 29 نوفمبر 2024، بعد أربعة أشهر فقط من توليها حقيبة النقل.

وتعود القضية إلى عام 2014، حين أقرت بالذنب في تهمة الاحتيال عن طريق التضليل، بعدما أبلغت زورًا عن فقدان هاتف عملها للحصول على جهاز جديد، قبل أن يُكتشف لاحقًا أن الهاتف كان داخل مكتبها، ما دفع شركة “أفيفا” إلى إحالة القضية إلى الشرطة.

وأظهرت وثائق قضائية نُشرت مطلع عام 2025، أنها اعترفت بالكذب للحصول على هاتف “آيفون” بدلًا من هاتف “بلاك بيري”، ويؤكد مقربون منها أنها تشعر بندم عميق، لكنهم يقرون بأن تهمة الاحتيال تبقى وصمة يصعب تجاوزها في نظر كثير من البريطانيين.

عودة سريعة

رغم النهاية السياسية المفاجئة، لم تبتعد هايج طويلًا عن دوائر القرار، فبعد نجاحها في إدارة حملة انتخابية فرعية لصالح أندي بورنهام، أصبحت تشارك في إجراء مقابلات لاختيار أعضاء فريقه الوزاري من مقر مؤقت في لندن.

وشدد بورنهام في رسالة إلى نواب حزب العمال على أن جميع التعيينات ستستند إلى الكفاءة، إلا أن كثيرين داخل الحزب يتوقعون أن تحصل هايج على موقع مؤثر يتجاوز أي منصب رسمي قد تشغله.

ويقول أحد النواب المقربين منها إن موقعها الحقيقي لن تحدده الصفة الوظيفية، بل حجم النفوذ الذي ستتمتع به داخل فريق بورنهام، إذ يُنظر إليها باعتبارها أقرب مستشاريه وأكثرهم تأثيرًا.

صعود مبكر

دخلت هايج البرلمان عام 2015 ممثلة لدائرة شيفيلد هيلي، وكانت أصغر نائبة في حزب العمال آنذاك، قبل أن تصبح لاحقًا أصغر امرأة تتولى منصبًا وزاريًا في بريطانيا.

واشتهرت خلال وجودها في الحكومة بشعرها الوردي، الذي كان يلفت الأنظار بقدر ما كانت تثيره شخصيتها السياسية، لكن زملاءها يؤكدون أن مظهرها لم يكن يعكس أسلوبها في العمل، بل كانت معروفة بالجدية والانضباط والطموح.

وشغلت هايج مناصب عدة في حكومات الظل، سواء في عهد جيريمي كوربين أو كير ستارمر، وتنقلت بين ملفات الشؤون الرقمية والشرطة وأيرلندا الشمالية والنقل، ويؤكد مقربون منها أن مواقفها لا يمكن اختزالها في تصنيف سياسي واحد.

ويشير هؤلاء المقربون إلى أنها تتبنى مواقف تقدمية في معظم القضايا، لكنها تتخذ مواقف صارمة في ملفات مثل الأمن والقانون، ما منحها قدرة على التواصل مع تيارات مختلفة داخل الحزب.

جذور متواضعة

نشأت هايج في شيفيلد وسط أسرة ذات ارتباط بالحركة النقابية، وعملت خلال شبابها نادلة في أحد المطاعم، قبل أن تنتقل إلى مدرسة خاصة نتيجة ظروف عائلية معقدة.

وبدأت دراستها الجامعية في كلية لندن للاقتصاد، لكنها غادرتها سريعًا، وأكملت دراسة العلوم السياسية في جامعة نوتنجهام، قبل أن تبدأ عملها السياسي مع عدد من نواب حزب العمال.

كما عملت في شركة “أفيفا” بمجال السياسات العامة، وهناك التقت سام وايت، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز المسؤولين في فريق كير ستارمر.

بعد دخولها البرلمان، أقامت مع مجموعة من النائبات الشابات في شقة مشتركة، وأصبحت جزءًا من الدائرة الاجتماعية والسياسية الصاعدة داخل حزب العمال.

وعرفت أيضًا بحماسها لنادي بارنسلي لكرة القدم، وشاركت في فريق كرة القدم النسائي الخاص بالبرلمان، الذي أثار جدلًا بعد تنظيم مباراة داخل قاعة مجلس العموم عقب انتهاء ساعات العمل.

تحالف بورنهام

خلال الأشهر التالية، بدأت هايج العمل بصورة وثيقة مع أندي بورنهام، الذي كانت تعرفه منذ سنوات، وشاركت في حملته السياسية التي أعقبت تراجع شعبية قيادة الحزب.

ويؤكد مقربون من الحملة أن التعاون بينهما كان سلسًا، وأن هايج لعبت دورًا بارزًا في إدارة الحوارات الصعبة مع الناخبين، خصوصًا في ملفات الهجرة والخدمات الصحية.

ويشير هؤلاء إلى أن قضية الإدانة لم تظهر تقريبًا خلال الحملة، بينما كان التركيز منصبًا على قدرتها التنظيمية وخبرتها السياسية.