
تُعقد القمة السنوية الـ36 لرؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي “الناتو” بتركيا، في الفترة من 7-8 يوليو 2026، والتي من المتوقع أن تتصدر القضايا الدولية والإقليمية أجندة مناقشاتها، لا سيما تلك التي تحظى بأولويات تحقيق الأمن العالمي، وفي مقدمته الأمن الأوروبي؛ في ظل التباعد الأمريكي الأوروبي بين ضفتى الأطلسي، بعد توجيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العديد من الانتقادات لموقف الحلف من التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، بعد رفض الحلف المشاركة في تلك العمليات أو المشاركة في توظيف قوة الحلف لفتح مضيق هرمز، وهو الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي ترامب لوصف الحلف بأنه “نمر من ورق”، مهددًا بالانسحاب الأمريكي من الحلف، برغم تأكيد نائب الرئيس الأمريكي جي دى فانس على بقاء الولايات المتحدة كعضو في الحلف، وكذلك تأكيد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على عدم الانسحاب الأمريكي من الحلف، لكن بشرط أن تقوم دول الحلف برفع إنفاقها الدفاعي للوصول إلى 5% من الناتج المحلي لكل دولة عضو، حتى يتسنى لتلك الدول المشاركة في تحمل نفقات الدفاع عن الأمن الأوروبي، بعد أن كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن هشاشته، وعدم قدرة الحلف من دون الولايات المتحدة الأمريكية على مواجهة التهديدات المتنامية، وفي مقدمتها إخفاق الردع الأوروبي في مواجهة القوة الروسية.
في مقابل الرؤية الأمريكية لمستقبل الحلف، هناك رؤية أوروبية تقودها فرنسا برئاسة إيمانويل ماكرون، تهدف إلى دعم الاستقلالية الأوروبية عن الولايات المتحدة الأمريكية، وتتبنى التوجه إزاء إنشاء جيش أوروبي مستقل يعزز من مواجهة تهديدات الأمن الأوروبي، بعد أن أشار ماكرون إلى أن الحلف يعانى من موت دماغي، يعمق من ذلك التحدي أن ثمة إدراك من قبل الرئيس الأمريكي ترامب ينطلق من أن أوروبا تمثل عبئًا اقتصاديًا على الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما دفعه لزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الأوروبية، ومطالبًا الدول الأوروبية بتحمل نفقات الدفاع عن أمنها في إطار حلف الناتو.
ولمواجهة تلك التحديات، تعتقد الدول الأعضاء في حلف الناتو، والتي سيشارك قادتها ومعهم الرئيس الأمريكي ترامب، إمكانية التوصل لحلول وسط لإرساء الأمن في القارة الأوروبية، وهو ما سينعكس بطبيعة الحال على الأمن العالمي، في ظل الإعلان عن مشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. وكذلك الحديث عن عقد وزراء دفاع حلف الناتو محادثات مع وزراء من أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية.
تأسيسًا على ما تقدم؛ يُثار تساؤل مركزي حول مدى قدرة قمة أنقرة 2026، على تبني توصيات تسهم في تعزيز ركائز الأمن الأوروبي، فضلًا عن مدى قدرة القادة المشاركين في فعاليات القمة على بلورة رؤية غربية تسهم في الحد من مواجهة التهديدات المتنامية للسلام العالمي، وتضع ركائز لحماية الاستقرار العالمي وتدعم أسسه، في ظل تزايد الانقسام الدولي على مستقبل وشكل وقواعد النظام الدولي الجديد الذي لا يزال قيد التشكل.
أهمية التوقيت
يأتي انعقاد القمة الـ36 لحلف الناتو بتركيا 2026 لتتزامن مع العديد من التحولات الإقليمية والدولية شديدة التعقيد، أولها يرتبط بالانقسام بين دول الحلف من ناحية والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض (2025-2028)، حيث تعاني أوروبا من تباين رؤيتها مع الموقف الأمريكي، سواء فيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، واعتقاد الدول الأوروبية أن أي تقارب بين ترامب وبوتين يعد خصمًا من رصيد العلاقات الإستراتيجية الأمريكية الأوروبية، وهو ما انعكس على ضبابية موقف ترامب من أوكرانيا، بما يهدد أمن القارة الأوروبية التي تعتمد على الضمانة الأمريكية لمواجهة التهديدات المتنامية، فضلًا عن مطالبة الرئيس ترامب الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي في إطار حلف الناتو لتصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة عضو في الحلف.
أما ثاني هذه التحولات التي تتزامن مع انعقاد قمة الناتو 2026 ترتبط بتحولات الأمن العالمي، والتي سيكون لها انعكاساتها على حوارات القادة المشاركين في فعاليات القمة ما يرتبط بالاتجاه العالمي إزاء سباق تسلح عسكري محموم في أقاليم العالم المختلفة بعد الإعلان عن زيادة مخصصات الإنفاق العسكري من موازنات الدول، وتداعيات ذلك على الاستقرار العالمي، بعد أن أعلنت دول مؤثرة في النظام الدولي عن تلك الزيادة، ومنها ألمانيا واليابان وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة، وهو ما سيكون بالقطع خصمًا من رصيد المخصصات المالية الموجهة للتنمية الدولية. يُضاف إلى ذلك اندلاع سباق نووى بين القوى الكبرى، وفي مقدمة تلك القوى السباق النووى الأمريكي الروسي.
أما ثالث هذه التحولات، فيرتبط بالاتجاه الأمريكي نحو عقد اتفاق للسلام مع إيران بعد توقيع الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان في 18 يونيو 2026 عن بُعد، على مذكرة تفاهم؛ أملًا في الوصول إلى اتفاق سلام دائم بعد حل القضايا الخلافية بين الجانبين، وفي مقدمتها: البرنامج النووى الإيراني، ومستقبل الأموال الإيرانية المجمدة، والنفط الإيراني، والموقف من العقوبات الاقتصادية على إيران، وهو الاتفاق الذي يعتقد العديد من المحللين -حال توقيعه- بأنه سيضع ركائز جديدة لنظام إقليمي ودولي قيد التشكيل، ربما يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي، والذي سينعكس بطبيعة الحال على الاستقرار العالمي.
قضايا متعددة
تماشيًا مع توجهات حلف الناتو وأهدافه الرامية إلى تحقيق الاستقرار العالمي، تتنوع القضايا المطروحة على طاولة القمة السنوية الـ36 للحلف بتركيا 2026، ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك القضايا على النحو التالي:
(*) دعم أوكرانيا: تركز مناقشات القمة على وضع خطط لتمويل تسليح أوكرانيا، في ظل مطالبات أوروبية بضرورة تعزيز الدعم العسكري و الاقتصادي لأوكرانيا، حيث تشير العديد من التقديرات إلى اتجاه دول الحلف لتقديم مساعدات متنوعة تُقدّر بـ 70 مليار دولار، لا سيما وأن الحرب الأوكرانية عمقت من أزمات الأمن الأوروبي، في ظل إخفاق الناتو بمواجهة التهديد الروسي. ويبدو أن الأمن الأوروبي ستتعمق أزماته في الفترة المقبلة؛ بعد قرار الرئيس ترامب بسحب قوات أمريكية من أوروبا، وإجراء مراجعة مدتها ستة أشهر للوجود العسكري الأمريكي في القارة.
(*) زيادة الإنفاق الدفاعي: يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيادة الإنفاق الدفاعي لدول حلف الناتو لتصل إلى 5% من الناتج المحلى الإجمالي لكل دولة عضو في الحلف، وقد حقق ترمب ما أراده من حلف الناتو في قمة العام الماضي 2025، حيث استجاب عدد من أعضاء الحلف لمطالب زيادة إنفاقهم الدفاعي خلال العقد المقبل. وتأتي قمة هذا العام في أنقرة ليأمل ترامب في استكمال تنفيذ هذا التعهد لباقي الدول الاعضاء برغم وجود خلافات أمريكية أوروبية ترتبط بالرسوم الجمركية المتزايدة التي يفرضها ترامب على الاقتصادات الأوروبية، وكذلك تهديده بضم جزيرة جرينلاند، فضلًا عن تهميش أوروبا في العديد من الملفات الدولية، ومنها الملف الإيراني. لذلك يتوقع المسؤولون أن يركز القادة على التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الإنتاج الصناعي الدفاعي، وكيفية تطبيق مبدأ نقل الأعباء من الولايات المتحدة إلى أوروبا.
(*) الصناعات الدفاعية: يُعقد على هامش فعاليات قمة الناتو 2026 بتركيا منتدى للصناعات الدفاعية للإعلان عن الصفقات الكبرى لإنتاج الأسلحة وتطوير التكنولوجيا الدفاعية وتعزيز الابتكارات العسكرية بين دول الحلف. ويسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي تستضيف بلاده قمة الناتو للمرة الثانية بعد قمة 2004، لتعزيز مكانة أنقرة الجيوسياسية، والمطالبة برفع جميع القيود المفروضة على تجارة السلاح بين أعضاء الحلف، فضلًا عن سعيه لمناقشة عودة تركيا لبرنامج مقاتلات إف-35 المقاتلة.
(*) أزمات إقليم الشرق الأوسط: يعتقد العديد من المحللين باحتمالية طرح أزمات الشرق الأوسط على طاولة مناقشات قمة حلف الناتو، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية كعامل رئيسي لتحقيق استقرار المنطقة. كما يتوقع أن يناقش أعضاء الناتو تطورات مضيق هرمز والملف الإيراني، لا سيما بعد تأثر إمدادات الطاقة للقارة جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من إغلاق المضيق، في ظل توترات مع واشنطن جراء رفض المشاركة في الحرب.
مجمل القول، يشكّل انعقاد القمة السنوية لحلف الناتو حدثًا محوريًا للأمن الأوروبي لما يمثله من ثقل عسكري، ويتزامن انعقاد القمة التي تستضيفها تركيا 2026 للمرة الثانية بعد قمة 2004 مع التحولات الإقليمية والدولية شديدة التعقيد، سواء ما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، وتهديدات الأمن الأوروبي، وتحولات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط بعد مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وتهميش أوروبا في تلك الجهود، فضلًا عن إصرار ترامب على وصول الإنفاق الدفاعي الـ 5% من الناتج المحلى الإجمالى لكل دولة عضو في الحلف. وهي القضايا التي بلا شك تشهد جدلًا دوليًا وتباينًا في الرؤى، والتي من المحتمل طرحها على طاولة مناقشات القمة التي يجب أن تضع نصب أعينها أن الاستقرار العالمي ودعم ركائزه، ينعكس على كافة الأقاليم بما فيها أوروبا والشرق الأوسط.
