في ظل تصاعد الحرب المرتبطة بإيران وتداعياتها الإقليمية والدولية، تتحرك الصين على أكثر من مسار سياسي واقتصادي وعسكري، لتستفيد من التحولات الجارية لإعادة صياغة موقعها في النظام الدولي، وسط قراءة دقيقة لسلوك الولايات المتحدة وانعكاسات الصراعات على موقعها في النظام العالمي.

تحركات دبلوماسية

قبل أيام، دخل الرئيس الصيني شي جين بينج، إلى قاعة الشعب الكبرى في بكين محاطًا بكبار مستشاريه، حيث ألقى كلمة افتتاحية قصيرة استقبل خلالها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، مؤكدًا أن العالم يعيش حالة من الاضطراب والفوضى.

وقال “شي” إن تعامل الدول مع القانون الدولي يعكس قيمها ونهجها، مضيفًا أن الصين وإسبانيا دولتان تقدران العدالة ومستعدتان للوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ، في إشارة إلى هجوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران.

أشار الرئيس الصيني إلى ضرورة معارضة العودة إلى قانون الغاب، وحماية التعددية ودعم السلام والتنمية، كما أكدت البيانات الرسمية أن العالم يواجه صراعًا بين الحق والقوة.

وحسب صحيفة “ذا تليجراف” البريطانية، تعكس هذه التصريحات أول موقف علني للرئيس الصيني بشأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وتوضح توجه الصين للاستفادة من هذا الصراع سياسيًا.

إستراتيجية الصين

وتسعى الصين إلى تصوير نفسها كدولة مسالمة ومسؤولة، مقابل تصوير الولايات المتحدة كقوة متقلبة قاسية، في سياق ما يشبه استغلالًا سياسيًا للصراع القائم، ويستند هذا التوجه إلى مبدأ صيني يعني تحويل الأزمات إلى فرص، إذ ترى بكين في الحرب فرصة لتعزيز مكانتها الدولية.

في الوقت ذاته، يدرس القادة العسكريون الصينيون سلوك الولايات المتحدة في الحرب، بهدف تحليل التكتيكات والأسلحة المستخدمة، كما تستفيد الصين من اضطراب إمدادات النفط العالمية، باعتبارها رائدة في مجال الطاقة المتجددة وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.

فرصة الصين

يرى خبراء، وفق “ذا تليجراف” أن الحرب تمثل فرصة للصين لتصوير الولايات المتحدة كعامل مزعزع للاستقرار، في محاولة لإبراز محدودية النظام العالمي القائم على تفوقها.

قالت ميا نوينز من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، إن “شي” يسعى إلى الترويج للصين كطرف مسؤول في النظام الدولي، معتبرة أن الحرب أتاحت له تبني خطاب أمريكي سابق ينتقد منطق القوة، في ظل اتهامات لترامب بخوض حرب دون إستراتيجية واضحة للتعامل مع تداعياتها.

قبل عقد، انتقد باراك أوباما الصين باستخدام تعبير القوة هي الحق، في إطار خطاب أمريكي تجاه النظام الدولي، واليوم، تشير المعطيات إلى أن بكين أعادت توظيف هذا الخطاب ضد الولايات المتحدة، ما يعكس مكسبًا دبلوماسيًا للصين.

أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “جالوب” تفوق الصين على الولايات المتحدة في معدلات التأييد العالمية، نتيجة تراجع صورة الأخيرة وارتفاع صورة الأولى.

قال أندريا جيسيللي، المتخصص في شؤون الصين والشرق الأوسط والمحاضر في جامعة إكستر، إن صورة الصين تتحسن نتيجة أخطاء الولايات المتحدة، واصفًا ذلك بأنه خسارة أمريكية.

كسر التحالف الأوربي

وأشارت “ذا تليجراف” إلى أن الولايات المتحدة استخدمت المفاوضات مع إيران لكسب الوقت قبل العمل العسكري، ما أثار كثيرًا من انتقادات العالمية، إضافة إلى توجه عدد من القادة الغربيين إلى بكين، إذ يدرس هؤلاء القادة إعادة تموضع دولهم تجاه الصين، بعد انتقاد ترامب لحلف شمال الأطلسي لعدم دعمه في الحرب على إيران، وتهديده سابقًا بالانسحاب وفرض تعريفات على أوروبا والسعي لشراء جرينلاند.

تسعى الصين إلى تقديم نفسها كوسيط بين الولايات المتحدة وإيران في محادثات السلام في باكستان، ورغم محدودية دورها الفعلي، لكنها تحقق مكاسب دعائية من خلال الظهور كوسيط للسلام دون تحمل مسؤوليات مباشرة في المنطقة.

وتراقب الصين الحروب الجارية لاستخلاص الدروس، خاصة ما يتعلق بسلوك الولايات المتحدة في النزاعات الحديثة، إذ يقيم جيش التحرير الشعبي قدراته مقارنة بالولايات المتحدة في العمليات والتخطيط والمعدات العسكرية.

وتشمل هذه المتابعة ساحات متعددة مثل أوكرانيا وفنزويلا والحرب الإيرانية، بهدف تحسين الجاهزية العسكرية، وتشير هذه العملية إلى تركيز الصين على تطوير قدراتها استعدادًا لأي سيناريو مستقبلي محتمل.

وأظهرت الحرب في إيران قدرة الصراعات غير المتكافئة على التأثير في القوى الكبرى، مع استخدام إيران وسائل منخفضة التكلفة ضد أنظمة دفاعية باهظة.

وتشير تقديرات إلى أن الصين لا تزال غير مستعدة لمواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، بسبب نقص الخبرة القتالية والقدرات الاستخباراتية، إذ ترسل الصين مراقبين عسكريين لدراسة هذه التطورات، في إطار تعزيز فهمها للمعارك المعاصرة.

موازين القوى

تستفيد الصين من موقعها في سلاسل الإمداد للطاقة المتجددة، من تصنيع المواد الخام إلى المنتجات النهائية مثل الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية، إذ إن التحول الأخضر العالمي لا يمكن تحقيقه دون الصين، ما يعزز نفوذها الاقتصادي.

تدرك بكين أن التأثير الاقتصادي يمكن أن يغير مسار الحروب، كما يظهر في استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج، وتعزز هذه المعطيات توجه الصين نحو الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الغرب في حال تصاعد الصراعات.

وتسعى الصين إلى تحقيق الاستقرار العالمي مع الحفاظ على قدرتها على الاستفادة من تراجع النفوذ الأمريكي، كما ترى بكين أن الانهيار غير المنضبط للنظام الدولي قد يخلق فوضى لا ترغب في التعامل معها.