
يمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمرحلة دقيقة، وسط أزمات سياسية واقتصادية ودينية، مع تصاعد الانتقادات من داخل قاعدته الشعبية وخارجها، وتطورات داخلية وخارجية متسارعة تعكس تحولات لافتة في مستوى التأييد والأداء السياسي.
حافة الهاوية
وذكرت صحيفة “ذا جارديان” البريطانية، أن التطورات خلال الأسبوعين الماضيين دفعا ترامب إلى حافة الهاوية، في واحدة من أكثر الفترات صعوبة في مسيرته الرئاسية، مع مؤشرات على تراجع فاعلية إستراتيجيته السياسية المعتادة.
وأحدث ترامب انقسامات داخل قاعدته الشعبية بعد شن حرب مع إيران لم يتمكن من إنهائها، ما أدى إلى تفاقم التضخم وإثارة غضب شرائح دينية، في وقت يشعر فيه بعد منعه من الترشح مجددًا بأنه لم يعد لديه ما يخسره.
ونقلت “ذا جارديان” عن لانس جونسون، وهو مقاول يبلغ 47 عامًا من ولاية كنتاكي، إنه صوّت لترامب ثلاث مرات، لكنه يشعر بالندم حاليًا ولم يكن راضيًا عن تصويته الأخير، مشيرًا إلى أن الوعود بخفض الأسعار وتجنب الحروب لم تتحقق.
ولا يعد جونسون حالة فردية، إذ بدأ عدد من الناخبين الذين دعموا ترامب على مدى عقد بالتشكيك في أدائه، في ظل ما يوصف بأنه عودة إلى الواقع بعد سنوات من تحدي التيار السياسي السائد، وفق “ذا جارديان”.
أزمات متلاحقة
وشهدت الفترة الأخيرة سلسلة من الأزمات صنعها ترامب، بعد أن شن حربًا ضد إيران، وبحثه عن مخرج مع ارتفاع أسعار الوقود، وإهانة بابا الفاتيكان ونشر صورة معدَّلة بالذكاء الاصطناعي شبه نفسه فيها بالسيد المسيح.
كما خسر ترامب جلسة استماع في دعوى قضائية ضد صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، تتعلق بملفات جيفري إبستين، وتعرض لانتقادات بسبب تدخله دعمًا لحليف سياسي استبدادي خاسر في المجر.
وأظهرت استطلاعات جامعة كوينيبياك، أن 38% فقط من الناخبين راضون عن أدائه، مقابل 55% غير راضين، فيما بلغت نسبة الرضا عن تعامله مع إيران 36% فقط.
حمّل نحو ثلثي الناخبين ترامب مسؤولية ارتفاع أسعار البنزين، ما يعكس تزايد الضغوط الشعبية المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية.
أخطر أزمة
قالت المسؤولة السابقة في البيت الأبيض خلال إدارة بيل كلينتون، إيلين كامارك، إن ترامب يواجه أخطر أزمة في مسيرته، مشيرة إلى صعوبة تحديد أسباب ذلك بين غياب القيود أو التقدم في السن وتقلب المزاج.
أوضحت أن أداءه يعكس ما وصفته بفقدان حاد في التقدير، معتبرة أن أفضل توصيف له هو الفوضى العارمة، في إشارة إلى تراجع الانضباط السياسي مقارنة بفترات سابقة.
منذ عام 2016، سعى ترامب إلى ترسيخ صورة الحصانة السياسية، مؤكدًا سابقًا قدرته على الاحتفاظ بدعم الناخبين حتى في مواقف مثيرة للجدل.
وتراجعت حالة التفاؤل التي أحاطت بترامب بعد قراراته المتعلقة بالتعريفات الجمركية وخفض الإنفاق وتشديد قوانين الهجرة، والتي حافظت قاعدته على تأييدها في البداية، لكن التحالف الذي دعَّمه بدأ بالتفكك، مع تراجع دعم المؤثرين والمحافظين الدينيين والمعارضين للتدخلات العسكرية، إضافة إلى المتضررين من التضخم.
جدل ديني
أثار ترامب جدلًا واسعًا بعد هجومه على البابا ليو الرابع عشر، أول بابا مولود في الولايات المتحدة، واصفًا إياه بصفات سلبية عقب انتقاده لسياساته تجاه إيران.
وأدان قادة الكنيسة الكاثوليكية، بمن فيهم أساقفة محافظون، تصريحات ترامب ما شكَّل نقطة توتر مع قاعدة دينية كانت داعمة له.
نشر ترامب لاحقًا صورة معدلة له يظهر فيها كالمسيح، ما أثار ردود فعل غاضبة، بينها تعليق ديفيد برودي الذي طالب بحذف الصورة واعتبرها تجاوزًا للحدود، قبل أن يحذف الصورة لاحقًا.
حرب إيران
تشكل الحرب مع إيران أبرز التحديات، إذ بدأت في 28 فبراير دون وجود دليل على تهديد وشيك، وفقًا لما ورد في النص.
أعلن ترامب تحقيق النصر عدة مرات، إلا أن النظام الإيراني لا يزال قائمًا، مع استمرار طموحاته النووية وتعزيز نفوذه في مضيق هرمز.
أدت الحرب إلى تراجع مصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها الأوروبيين والشرق أوسطيين، بحسب المعطيات الواردة، كما أثارت تصريحات ترامب -التي تضمنت تهديدات حادة- انتقادات من حلفاء سابقين في الإعلام والسياسة.
حذَّر بعض المراقبين من أن الحرب قد تشكِّل أزمة مشابهة لإعصار كاترينا الذي أثر على سمعة الرئيس جورج دبليو بوش، إذ قالت أوليفيا تروي، المسؤولة السابقة في إدارة ترامب، إن الحرب تتناقض مع وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب، مشيرة إلى غياب مخرج واضح للصراع.
شخصية جريحة
أدى انخفاض نسبة التأييد إلى مخاوف داخل الحزب الجمهوري من خسارة السيطرة على الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي، وقد يؤدي فوز الديمقراطيين بالأغلبية إلى فتح تحقيقات في الإدارة وعرقلة برامجها التشريعية.
يرى مراقبون أن هذه التطورات قد تزيد من حدة الاضطراب السياسي في المرحلة المقبلة، إذ قال مدير مركز دراسات السياسة والحكم في جامعة مينيسوتا لاري جاكوبس: “دونالد ترامب شخصية سياسية جريحة، لا سبيل لزواله، فكلما ازدادت معاناته، ازداد تهوره، وهو شخص غارق في وهم عظمته لدرجة أنه بات يشكل خطرًا سياسيًا وتهديدًا وجوديًا في أمريكا وعلى الساحة العالمية”.
