زيلينسكي في مأزق داخلي.. الفساد والإقالات يلاحقان قصر الرئاسة

 

post-title
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

 

في الوقت الذي تساقط حوله عدد من المسؤولين في اتهامات الفساد، أقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الأربعاء، نائبة رئيس مكتب الرئاسة إيرينا مودرا، وفقًا للمرسوم المنشور على الموقع الإلكتروني للرئاسة، دون أن يُذكر أي سبب للفصل.

ووفق ما ذكرته صحيفة “ذا جارديان” البريطانية، لا يوجد تأكيد رسمي على وجود صلة بين إقالة “مودرا” ومَن تمت الإطاحة بهم خلال الفترة السابقة، لكن ربما يجدر بالذكر أن وكالات مكافحة الفساد في أوكرانيا قالت في وقت سابق من اليوم إنها كشفت عن مجموعة يشتبه في تورطها في غسيل الأموال تضم ​​مسؤولًا رئاسيًا رفيع المستوى.

وفي مقطع فيديو على موقع “يوتيوب”، قال كل من المكتب الوطني لمكافحة الفساد (NABU) وجهاز مكافحة الفساد (SAP)، أن وكالات مكافحة الفساد الأوكرانية شنّت عملية خاصة ضد المشرعين والمستشارين الرئاسيين، قبل ساعات من التصويت الحاسم في البرلمان لاختيار وزير دفاع جديد يهدف إلى ترسيخ تعديل وزاري أجراه زيلينسكي .

ووفق الفيديو، تضم المجموعة نائبة رئيس مكتب الرئاسة، ونائب سابق، ورؤساء مجالس الإدارة والإشراف في بنك مملوك للدولة، وآخرين، لكن دون أن يذكروا أسماء الأفراد، وفقًا للقانون الأوكراني. وكشفت عن مجموعة مسؤولة عن غسل أموال بقيمة 3.35 مليون دولار، لكنها لم تذكر أسماء الأفراد المتورطين.

ويزعم التحقيق، الذي أطلق عليه اسم “عملية فورست جامب” (Operation Forrest Gump)، أن المجموعة قامت بغسل نحو 150 مليون هريفنيا أوكرانية، أي ما يعادل نحو 3 ملايين دولار، من خلال بنك “سينس” المملوك للدولة لتمويل كفالة وزير الطاقة السابق جيرمان جالوشينكو، وهو شخصية رئيسية في فضيحة فساد “ميداس” التي بلغت قيمتها 100 مليون دولار العام الماضي .

ونشرت هيئة مكافحة الفساد تسجيلات صوتية لامرأة، لم يُكشف عن اسمها في الفيديو سوى أنها نائبة رئيس مكتب الرئيس، تقول فيها: “مكافحة الفساد نهج خاطئ. يجب تنظيم الفساد والسيطرة عليه”.

وفي غضون ذلك، وعلى الرغم من كل الضجيج والجدل المحيط بالموضوع، فقد وافق البرلمان الأوكراني اليوم على ترشيحات زيلينسكي لمنصبي وزير الخارجية ووزير الدفاع.

وتكشف الإقالة الأخيرة عن الصراع الذي تخوضه مؤسسة الرئاسة الأوكرانية مع المتورطين في الفساد خلال الحرب من كبار مسؤولي كييف، بعدما هزت اتهامات فساد كبرى دائرته الداخلية، فيما تكثّف واشنطن ضغوطها للموافقة على اتفاق سلام يبدو مُهينًا لكييف.

احتواء الفساد

في عام 2015، تم إنشاء المكتب الوطني لمكافحة الفساد (NABU) وجهاز مكافحة الفساد (SAP)، بإصرار من الاتحاد الأوروبي وشركاء دوليين آخرين، بما في ذلك إدارة الرئيس الأمريكي -آنذاك- باراك أوباما.

وقتها، أرادت واشنطن وبروكسل أن ترى أوكرانيا تُكافح بجدية مشكلة الفساد المتجذرة والمتفشّية، وضغطتا من أجل إنشاء هيئات لمكافحة الفساد مستقلة عن الحكومة، تتمتع بالسلطة الكافية للتحقيق في مخالفات كبار المسؤولين ومن لهم صلات سياسية.

لكن الرواية الجديدة في أوكرانيا بسيطة: إما أن تكون مع زيلينسكي أو عميلًا روسيًا.

في يوليو 2025، بدت محاولات زيلينسكي للسيطرة على فضائح قياداته أكثر وضوحًا، بعد أن أطاح بهيئتي مكافحة الفساد الرئيسيتين في أوكرانيا، اللتين كانتا تستهدفان كبار المسؤولين الحكوميين، ما أثار أول احتجاجات شعبية في جميع أنحاء البلاد منذ بدء الحرب مع روسيا في 2022.

ورغم المظاهرات التي عمّت العديد من المدن الأوكرانية، بينها العاصمة كييف، أقرّ زيلينسكي القانون الجديد، الذي يمنح المدعي العام -المُعيّن- سياسيًا صلاحيات واسعة على المكتب الوطني لمكافحة الفساد (NABU) ومكتب المدعي العام المتخصص، جهاز مكافحة الفساد (SAP).

لكن القانون رقم 12414، الذي وقّعه زيلينسكي بسرعة بعد إقراره من قبل البرلمان الأوكراني بسرعة غير مسبوقة، يجرّدهما من تلك الاستقلالية. بدلًا من ذلك، يمنح مكتب المدعي العام سلطة إصدار أوامر لهذين الجهازين وإعادة تكليف المدعي العام الخاص بهما بالقضايا، مما يُفكك عمليًا الضمانات التي تحميهما من التدخل السياسي غير المبرر.

وقتها، اعتبر مسؤولي الجهازين القانون الجديد تهديدًا لمهامهم. وصرح رئيس المكتب الوطني لمكافحة الفساد وقتها، سيمين كريفونوس، في مؤتمر صحفي مشترك مع المدعي العام لمكافحة الفساد، أوليكساندر كليمينكو: “في الواقع، تم تفكيك البنية التحتية لمكافحة الفساد بأصوات 263 عضوًا في البرلمان”.

وأضاف: “أصبحت المؤسستان المستقلتان، تابعتين بالكامل”.

فساد منتشر

وفقًا لوسائل الإعلام المحلية، فإن 18 من النواب الذين صوّتوا لصالح القانون الجديد مشتبه بهم في تحقيقات المكتب الوطني لمكافحة الفساد.

مع هذا، وفي نوفمبر 2025، نشر المكتب الوطني لمكافحة الفساد في أوكرانيا (NABU)، أدلة واسعة النطاق على تورط مسؤولين في مخطط رشاوي كبير أدى إلى سحب أموال من قطاعي الطاقة والدفاع، بينما يعيش الأوكرانيون المنهكون من الحرب إما في جبهة قتال وحشية أو في ظلام دامس تقريبًا بسبب الهجمات المتواصلة على شبكة الطاقة.

وتشير صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية إلى أن الغضب كشف عن حدود ما كان حتى الآن “تفاهمًا عامًا في زمن الحرب”، حتى بين المعارضين السياسيين، بأن البلاد يجب أن تظل موحدة لهزيمة روسيا “وهو ما انهار عند الاعتقاد بأن مجموعة صغيرة من الأقوياء استفادت من حرب تقتل الكثير من مواطنيهم”.

ولفتت الصحيفة إلى أن “التحقيق الأخير أجرته هيئة مكافحة الفساد، التي كادت تُعيق عملها هذا الصيف بعد توقيع زيلينسكي على مشروع قانون يُقيّد استقلاليتها بشكل كبير، أثار شكوكًا لدى الرأي العام بأن كبار القادة كانوا يعتزمون حماية أنفسهم بتعطيل هذا التحقيق تحديدًا”.

وقد أجبر التحقيق زيلينسكي على إقالة أقرب مساعديه، حيث وقّع مرسومًا يقضي بإقالة مدير مكتبه وكبير مساعديه أندريه يرماك، وذلك بعد ساعات قليلة من قيام سلطات ومحققو مكافحة الفساد بمداهمة وتفتيش منزل يرماك على خلفية تحقيقات في قضية فساد مالي كبرى.