تشير مؤشرات متزايدة إلى تحول لافت في السياسة الأمريكية تجاه الهند، بعد أكثر من عقدين من اعتبار نيودلهي شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا في مواجهة صعود الصين. فبدلًا من تشجيع صعود القوة الهندية اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا، يبدو أن واشنطن باتت تنظر إلى هذا الصعود بمنظور أكثر حذرًا، خشية أن تتحول الهند مستقبلًا إلى منافس اقتصادي وتقني جديد للولايات المتحدة.

ويعكس هذا التحول، بحسب مراقبين، إعادة ترتيب للأولويات الاستراتيجية الأمريكية، في ظل مراجعة الدروس التي استخلصتها واشنطن من صعود الصين خلال العقود الماضية.

تصريحات تكشف التحول

وبرزت ملامح هذا التغيير في تصريحات نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو خلال زيارة إلى نيودلهي، عندما أكد أن الولايات المتحدة “لن تكرر الخطأ الذي ارتكبته مع الصين”، مشيرًا إلى أن واشنطن لا ترغب في دعم تنمية الأسواق الهندية بطريقة تجعلها تتفوق على الاقتصاد الأمريكي في المستقبل.

ويرى محللون أن هذه التصريحات تمثل اعترافًا صريحًا بأن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى صعود الهند باعتباره مكسبًا استراتيجيًا خالصًا، بل باتت تتعامل معه باعتباره تحديا اقتصاديا وتكنولوجيا ينبغي إدارته بحذر.

ولا يقتصر التحول على التصريحات السياسية، بل يمتد إلى الخطاب الاستراتيجي الأمريكي.

فقد أثار قرار وزارة الدفاع الأمريكية حذف كلمة “الهندي” من مصطلح “منطقة المحيطين الهندي والهادئ” تساؤلات واسعة، باعتباره مؤشرًا على تراجع المكانة المركزية للهند في الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بموازنة النفوذ الصيني.

وخلال السنوات الماضية، شكل مفهوم “الهندي الهادئ” أساسا للرؤية الأمريكية التي اعتبرت الهند ركيزة أساسية لتحقيق التوازن مع الصين في آسيا، إلا أن التخلي عن هذا المصطلح يوحي، وفق محللين، بأن واشنطن باتت تركّز بصورة أكبر على إدارة علاقتها المباشرة مع بكين، مع تقليص الدور المخصص للهند في حساباتها الإقليمية.

سياسة أكثر براجماتية

يتزامن هذا التوجه مع مقاربة أكثر مرونة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الصين منذ منتصف عام 2025، وحديثه المتكرر عن إمكانية قيام نظام دولي تقوده القوتان الأكبر عالميًا، الولايات المتحدة والصين، من خلال تفاهمات مباشرة بشأن القضايا الدولية.

ويرى خبراء أن هذه الرؤية تقلل من أهمية التحالفات التقليدية التي بنتها واشنطن في آسيا خلال العقدين الماضيين.

ومن أبرز الملفات التي تعكس التغيير في الموقف الأمريكي، تعثر تنفيذ اتفاق نقل تكنولوجيا محركات الطائرات المقاتلة بين شركة جنرال إلكتريك الأمريكية وشركة هندوستان أيرونوتكس الهندية.

كان الاتفاق يُنظر إليه باعتباره خطوة تاريخية لدعم برامج الهند المحلية لتطوير مقاتلاتها، إلا أن تنفيذه واجه عراقيل أدت إلى تأخير تسليم المحركات، وهو ما تسبب في تعطيل إنتاج عدد من الطائرات الحربية الهندية.

وأدى ذلك إلى زيادة الضغوط على سلاح الجو الهندي، الذي تراجع عدد أسرابه القتالية العاملة إلى نحو 29 سربًا، مقارنة بالحاجة إلى أكثر من 42 سربًا لمواجهة التحديات الأمنية على الحدود مع الصين وباكستان.

ويرى مراقبون أن هذه العراقيل تعكس ترددًا أمريكيًا في نقل تقنيات متقدمة قد تمنح الهند مستقبلًا قدرة على منافسة الصناعات العسكرية الغربية.

توترات في جنوب آسيا

كما امتد التباين بين البلدين إلى ملفات إقليمية، أبرزها التطورات في بنجلادش وميانمار. ففي بنجلادش، اعتبرت دوائر هندية أن الموقف الأمريكي من التغيير السياسي الذي شهدته البلاد خلال عام 2024 لم يراعِ المصالح الأمنية لنيودلهي، خاصة في ظل المخاوف من تصاعد نفوذ الجماعات المتشددة على حدودها الشرقية.

أما في ميانمار، فتعتقد الهند أن العقوبات الأمريكية المفروضة على المجلس العسكري، إلى جانب دعم بعض القوى المناهضة له، ساهمت في زيادة الاضطرابات الأمنية على حدودها الشمالية الشرقية.

وفي المقابل، تنظر نيودلهي بقلق إلى استمرار التعاون العسكري الأمريكي مع باكستان، بما في ذلك تحديث أسطول طائرات F-16 وتوسيع الاتصالات الدفاعية بين البلدين، وهو ما يعيد إلى الأذهان، وفق محللين هنود، سياسات التوازن التي انتهجتها واشنطن خلال الحرب الباردة.

ويرى محللون أن العلاقة الأمريكية الهندية لم تعد قائمة على الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى التي سادت خلال العقدين الماضيين، بل أصبحت أكثر ارتباطًا بالمصالح الاقتصادية والتجارية المباشرة.

فالإدارة الأمريكية تبدو حريصة على الحفاظ على الهند كسوق ضخمة للشركات الأمريكية وشريك يساعد في الحد من النفوذ الصيني، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن تتحول نيودلهي إلى قوة صناعية وتقنية قادرة على منافسة الولايات المتحدة عالميًا.