
يستيقظ كل صباح، آلاف البحارة على متن السفن العالقة في مضيق هرمز لا على صوت المنبه، بل على أزيز طائرة مسيرة تشق سكون الفجر، أو دوي انفجار يزلزل كيان السفينة.
في هذه البقعة لم تعد السفن مجرد وسيلة لنقل التجارة العالمية، بل تحولت إلى زنازين عائمة، تتقاذفها أمواج الخوف وتطوقها نيران الجغرافيا السياسية.
منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، وتحديداً في مضيق هرمز الذي بات يشبه “عنق الزجاجة” المسدود، توقف الزمن. هناك، تقبع نحو ألفي سفينة، ليس بسبب عطل في المحركات أو قلة في الوقود، بل لأن الحرب قررت أن تضع بصمتها الثقيلة على ممرات الملاحة، محولةً حياة 20 ألف بحار إلى مأساة إنسانية صامتة، تُكتب فصولها بمداد من العزلة والترقب.
كيف يعيش أسرى المياه ؟
خلف الجدران المعدنية الباردة لغرف القيادة وحجرات النوم الضيقة، يعيش البحارة واقعاً يتجاوز الوصف. هؤلاء الرجال، الذين جاؤوا من شتى بقاع الأرض لكسب لقمة العيش، وجدوا أنفسهم فجأة “دروعاً بشرية” غير مرغوب فيها في قلب معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
مع مرور الأسابيع، بدأت مخازن السفن تئن من الفراغ، التقارير الواردة من الاتحاد الدولي لعمال النقل تكشف عن صرخات استغاثة لنحو ألف بحار، يشتكون من تناقص إمدادات الغذاء والمياه العذبة. إنها مفارقة موجعة؛ أن تعيش محاطاً بمليارات الأمتار المكعبة من المياه، وأنت تخشى ألا تجد جرعة ماء نظيفة غداً.
لا يقتصر الأمر على نقص الطعام؛ فالضغط النفسي هو القاتل الصامت هنا، البحارة يراقبون السماء أكثر مما يراقبون بوصلاتهم، فكل طائرة مسيرة هي مشروع كارثة، وكل انفجار قريب قد يحول ناقلات الغاز والنفط إلى قنابل موقوتة تمحو كل من عليها في ثوانٍ.
إن العودة إلى الديار باتت حلماً بعيد المنال. القوانين البحرية المعقدة تتطلب “البديل” قبل المغادرة، ولكن من هو المغامر الذي سيقبل المجيء إلى “منطقة عالية الخطورة” ليحل محل زميله؟ هكذا، يجد البحار نفسه عالقاً في دوامة من الغموض، بلا أفق زمني لنهاية الكابوس.
لقد صنف الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF) هذه المنطقة بأنها “بؤرة خطر قصوى”. وحذر الأمين العام للاتحاد، ستيفن كوتون، من أن الوضع تجاوز حدود الاحتمال البشري، هؤلاء العمال هم شريان الحياة للعالم، وبدونهم تتوقف المصانع وتنطفئ الأنوار، فكيف يُتركوا لمصيرهم وسط الانفجارات؟
حتى الآن، حصدت هذه الأزمة أرواح 10 بحارة، وأصابت العشرات، في 21 هجوماً موثقاً منذ مطلع أبريل. كل رقم هنا ليس مجرد إحصائية، بل هو أب، أو ابن، أو زوج، كان ينتظر العودة بحقيبة هدايا، فعاد في صندوق أو ظل عالقاً في جوف سفينة تنتظر رحمة القدر.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو “صنبور النفط” للعالم. يمر عبره نحو 20% إلى 30% من إجمالي استهلاك النفط العالمي يومياً، لنتخيل أن كل لتر وقود في سيارة في اليابان أو مصنع في أوروبا قد مر غالباً من هذه النقطة.
يبلغ عرض المضيق في أضيق نقاطه حوالي 33 كيلومتراً فقط، لكن الممر الملاحي الفعلي للسفن أضيق بكثير (نحو 3 كيلومترات لكل اتجاه). هذا الضيق يجعل السفن العملاقة أهدافاً سهلة لأي هجمات صاروخية أو مسيرات، ويجعل من السهل “خنق” التجارة العالمية بإغلاقه.
تاريخياً، كان هرمز دائماً ساحة لتكسير العظام بين القوى الإقليمية والدولية، من يسيطر على المضيق، يمتلك مفتاح الضغط على القوى العظمى. لذا، فإن أي توتر سياسي في المنطقة يتحول فوراً إلى تهديد أمني للملاحة، وهو ما يفسر لماذا تحولت السفن اليوم إلى أهداف عسكرية.
توقف الملاحة في هرمز يعني قفزات جنونية في أسعار الطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، فالأزمة الحالية لا تهدد حياة 20 ألف بحار فحسب، بل تهدد الاستقرار المعيشي لملايين البشر حول العالم الذين سيتأثرون بارتفاع الأسعار ونقص الموارد.
إن هؤلاء البحارة العالقين في “مضيق الموت” ليسوا مجرد أرقام في تقرير إخباري، بل هم شهود عيان على عجز النظام الدولي عن حماية الإنسان في ممرات التجارة. إن إنقاذهم وتأمين عودتهم هو اختبار حقيقي للضمير العالمي؛ فبينما تتصارع القوى على النفوذ، يبقى 20 ألف إنسان معلقين بين السماء والماء، ينتظرون يداً تمتد لتخرجهم من هذا الجحيم المائي قبل أن تبتلعهم أمواج النسيان.
