تصاعدت حدة التوترات بين واشنطن وتل أبيب في الأسابيع الأخيرة، وبلغت ذروتها حين خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن صمته الدبلوماسي ليُعلن في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز: “أنا من يتخذ القرارات، أنا كل القرارات، نتنياهو لا يتخذ القرارات”، جاء ذلك على خلفية مواصلة إسرائيل ضرباتها على لبنان وإيران رغم الضغوط الأمريكية المتكررة، ما اضطر ترامب معه إلى مطالبة الطرفين عبر منصات التواصل الاجتماعي بـ”وقف إطلاق النار فورًا”.

علاقة كالعائلة

على الرغم من حدة التصريحات، قلل مدير مركز السياسة الخارجية العالمية جاستن توماس راسل، في تصريح خاص لموقع “القاهرة الإخبارية”، من حجم هذا التوتر، مستشهدًا بمقولة عائلية دارجة: “قد لا نحبك كثيرًا في هذه اللحظة، لكننا سنظل نحبك دائمًا، وهذا بالضبط ما يصف العلاقة الأمريكية الإسرائيلية اليوم”. ورأى راسل أن تصريحات ترامب لا تعدو كونها خطابًا سياسيًا، لافتًا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يبقى صاحب الكلمة الفصل في كل ما يتعلق بأمن دولته ومواطنيه، وأن نتنياهو ربما ينظر بسخرية إلى ادعاءات ترامب باستئثاره بالقرار.

وهذا ما يؤكده سجل العلاقة بين الرجلين، إذ كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن ترامب دافع عن نتنياهو في مواجهة تهم الفساد، ورفع العقوبات عن نشاط المستوطنين الإسرائيليين غير القانوني، وتجاوز اعتراضات الديمقراطيين على صفقات الأسلحة.

بل إن ترامب نفسه وصف علاقته بنتنياهو بقوله لقناة “إن بي سي”: “نتعاون بشكل جيد جدًا، كنا رفاق عظماء، وأنجزنا رقمًا كبيرًا جدًا على حساب دولة لم تكن إلا مصدر إزعاج لـ47 عامًا”. ولعل هذا ما يفسر غياب أي مؤشرات جدية على استعداد ترامب لاستخدام ورقة تعليق المساعدات العسكرية رغم كل التصريحات الغاضبة.

مسرحية مُحكمة وكل طرف يؤدي دوره

غير أن المحلل في الشؤون العالمية الأمريكي كالفن دارك ذهب في تصريح خاص لموقع “القاهرة الإخبارية” إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن المشهد برمته لا يخرج عن كونه “مسرحية سياسية”، قائلًا: “رأينا الأداء ذاته في عهد بايدن: إحباط علني، وتسوية خاصة، ودعم أمريكي متواصل لخيارات نتنياهو، وترامب ليس إلا ممثلًا جديدًا في العرض ذاته”. تقييم يتقاطع مع ما رصدته فايننشال تايمز نقلًا عن المحللة الإسرائيلية داليا شيندلين، التي أشارت إلى أن ثمة “مسرحية سياسية” في هذه الخلافات العلنية، موضحة أن ترامب يسعى لإظهار نفسه أمام الرأي العام الأمريكي بوصفه حارسًا للسلام، بينما يبدو نتنياهو في عيون جمهوره الداخلي بطلًا يتحدى الضغوط الأمريكية.

غير أن هذه المسرحية تنطوي على ثمن حقيقي وفق دارك، إذ أضاف أن إيران والحلفاء الإقليميين يدركون جيدًا أن واشنطن “قد تشكو، لكنها لم تُثبت استعدادها لتقييد إسرائيل”، وأن أي اتفاق مع طهران يرتكز على التزامات لن تُلزم واشنطن إسرائيل باحترامها “لا يساوي الورقة التي كُتب عليها”.

الناخب الأمريكي والفاتورة الخفية للحرب

على الصعيد الأمريكي الداخلي، حذّر راسل من أن المواطن الأمريكي لا يُفكر في تعقيدات السياسة الخارجية بقدر ما يُفكر في “قدرته على ملء خزان سيارته، وسداد إيجار منزله، وضمان استقرار وظيفته”، مشيرًا إلى أن ما يجهله كثيرون الصلة الخفية بين الصراع في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط وتداعياتها المباشرة على حياتهم اليومية.

ويشاركه دارك هذا القلق، محذرًا من أن ترامب “يبدو ضعيفًا حين يسمح لنتنياهو بشن حرب تصعيد متعددة الجبهات على حساب دافع الضرائب الأمريكي، بينما يبدو الرئيس في موقع رد الفعل لا القيادة”، مؤكدًا أن هذا الضعف سيتحول إلى عبء ثقيل على الحزب الجمهوري في انتخابات نوفمبر.

وتجدر الإشارة إلى أن فايننشال تايمز، أكدت أن القوات الأمريكية لم تشارك في الضربات الإسرائيلية على إيران، ما وصفه مراقبون بأنه رسالة استياء أمريكية صريحة.

واشنطن تملك الأوراق

يختم دارك تحليله بالتأكيد أن واشنطن لا تزال تمتلك أوراق ضغط حقيقية وفعّالة، من مساعدات عسكرية وحماية دبلوماسية وتعاون استخباراتي وشرعية سياسية، غير أنها لم توظفها بعد، وما لم تفعل، فإن نتنياهو سيواصل رسم الأجندة لكلا البلدين.

وهو ما يتوافق مع تساؤل الرئيس التنفيذي لمركز الأمن الأمريكي الجديد ريتشارد فونتين، الذي أشار لفايننشال تايمز إلى أن إسرائيل تتعامل مع جبهتي لبنان وإيران باعتبارهما ملفين منفصلين، وأن “لا اتفاق سيجعلها غير قادرة على الدفاع عن حدودها الشمالية إلى أجل غير مسمى”.