
أكد نائب رئيس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية، الدكتور حسين عيسى، أن المؤتمر الوطني “الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة”، المقام تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، في مكتبة الإسكندرية، يُمثل نقلة نوعية وحضارية في تناول قضية الهوية الوطنية، وأن اختيار عنوان “جذور راسخة ورؤية متجددة” يعكس التطلع إلى المستقبل في ظل عالم شديد التعقيد، مشيرًا إلى أن الهوية الوطنية تمثل أحد المقومات الأساسية لتحقيق التماسك والاستقرار الاجتماعي.
وأوضح “عيسى” خلال كلمته بالمؤتمر أن التقرير الصادر عن مكتبة الإسكندرية حول قضية الهوية الوطنية تناول أبرز الضغوط والتحديات الاجتماعية التي تواجهها، ودور مؤسسات الدولة في دعم الهوية وتنميتها، مؤكدًا أن ما يخلص إليه التقرير، بجانب توصيات المؤتمر، يمكن أن يُشكّل أساسًا لمنهج عمل متكامل، باعتبار أن قضية الهوية قضية دولة وحكومة، خاصة في ظل الضغوط غير المسبوقة التي يتعرض لها الوطن، والحاجة إلى ترسيخ الهوية بما يدعم الاستقرار ويحمي المجتمع.
مصر دولة شابة
وأكد نائب رئيس الوزراء المصري، أن الحكومة ستسعى إلى تحويل توصيات المؤتمر لبرامج عمل قابلة للتنفيذ، بما يسهم في حماية الشباب وتعزيز وعي مختلف فئات المجتمع، مشيرًا إلى أن مصر دولة شابة، وأن الشباب يمثلون مستقبلها وركيزة أساسية في بناء المستقبل، وأشاد باختيار الإسكندرية مقرًا لانعقاد المؤتمر، لما تتمتع به من طابع حضاري مميز ومكانة تاريخية وملامح عالمية جعلتها على مدار تاريخها مدينة للتلاقي والانفتاح على الثقافات.
وخلال كلمته التي ألقاها نيابة عن رئيس مجلس الوزراء المصري، وجّه وزير التعليم العالي المصري الدكتور عبدالعزيز قنصوة، الشكر إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، على رعايته للمؤتمر، مؤكدًا أن الرعاية تعكس اهتمام الدولة بترسيخ الهوية الوطنية وبناء الإنسان وتعزيز الوعي والانتماء، معربًا عن تقديره لمكتبة الإسكندرية وجميع الجهات المشاركة في تنظيمه.
الهوية الوطنية قضية دولة
وأكد قنصوة أن الهوية الوطنية قضية دولة ومجتمع، تبدأ جذورها من الأسرة المصرية، وتمتد إلى المدرسة والجامعة، وتتفاعل مع الثقافة والفن، والإعلام، والخطاب الديني، وتتأثر بالتحولات المتسارعة في الاقتصاد والفضاء الرقمي، والذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن الهوية المصرية ليست مجرد تاريخ وتراث نعتز بهما، وإنما منظومة حية من القيم، والانتماء، والمواطنة والمعرفة، وأن ترسيخها لا يعني الانغلاق أمام التغيير، بل تمكين الأجيال الجديدة من التفاعل مع مستجدات العصر بوعي وثقة، مع الحفاظ على جذورها وثوابتها الوطنية.
وأشار وزير التعليم العالي المصري إلى أن ما يميز المؤتمر تحويل قضية الهوية الوطنية إلى حوار علمي ومجتمعي جاد، بمشاركة المسؤولين، والمفكرين، والباحثين، والمبدعين، ووضع الشباب في قلب الحوار كشركاء في صياغة رؤى المستقبل، مؤكدًا أن ترسيخ الوعي والانتماء يتحقق بالمعرفة، والمشاركة، والممارسة، وإتاحة المجال أمام الشباب للتعبير والمشاركة وإدراك دورهم في بناء مستقبل وطنهم.
وأكد “قنصوة” أن التحولات المتسارعة والتطور التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي تجعل الحوار حول الهوية الوطنية أكثر إلحاحًا، مشيرًا إلى أن مواجهتها تتطلب تعزيز المعرفة، والتعليم، والثقافة، وإنتاج محتوى مصري حديث وجذاب، وتوظيف التكنولوجيا في الحفاظ على التراث واللغة والتعريف بتاريخ الوطن، بما يعزز اعتزاز الأجيال الجديدة بهويتها وانفتاحها الواعي على العالم.
وأضاف الوزير أن نجاح المؤتمر لن يقاس بعدد جلساته أو متحدثيه أو أوراقه العلمية فقط، وإنما بما سيترتب عليه من خطوات عملية بعد اختتام فعالياته، مشيرًا إلى التطلع لأن تمثل “وثيقة الإسكندرية للهوية الوطنية” نقطة انطلاق لأجندة عمل مستدامة، تستند إلى ما يخلص إليه المؤتمر من رؤى وأفكار وأولويات قابلة للتنفيذ والمتابعة، وتمتد إلى مختلف المحافظات والجامعات والمدارس ومؤسسات المجتمع، مع تعزيز مشاركة الشباب، بما يضمن استمرار الحوار حول الهوية الوطنية وتجديد رؤيتها مع الحفاظ على جذورها وثوابتها.
وأوضح وزير التعليم العالي أن الإسكندرية بما تمثله من تاريخ عريق في التلاقي بين الحضارات، وبما تضمه من منارة معرفية كبرى في مكتبة الإسكندرية، تمثل المكان الأمثل لهذا الحوار، معربًا عن تطلعه لأن تكون “وثيقة الإسكندرية” بداية لمسار وطني مستدام يعزز الحوار حول الهوية وبناء الإنسان والمستقبل، ويجعل من الهوية قوة لصناعة المستقبل، عبر جذور راسخة ورؤية متجددة وإنسان مصري واعٍ بهويته ومنفتح على العالم.
الهوية الوطنية تُبنى في القرى والمدن
ومن جانبه، أكد مستشار رئيس الجمهورية المصري للتنمية المحلية، رئيس المؤتمر اللواء أركان حرب الدكتور خالد فودة، أن الهوية المصرية، التي تشكلت عبر تفاعل حضاري وثقافي ممتد ليست جمودًا أو انغلاقًا وإنما منظومة حية تجمع بين رسوخ الجذور والقدرة على مواكبة المستقبل، بما يعزز الانتماء ويمكن الإنسان المصري من التفاعل الواعي مع التكنولوجيا والعولمة دون أن يفقد خصوصيته وهويته.
وأشار فودة إلى أن الهوية الوطنية تُبنى في الشارع والقرية والمدينة، وأن التنمية المحلية لا تقتصر على تطوير البنية الأساسية، وإنما تمتد إلى الحفاظ على الشخصية المصرية وتعزيز الهوية المحلية لكل محافظة باعتبارها جزءًا أصيلًا من هوية الوطن، من خلال دعم التراث والموروث الشعبي، والصناعات الحرفية، بما يسهم في صون الخصوصية الثقافية وخلق فرص العمل في آن واحد.
وطرح مستشار الرئيس المصري للتنمية المحلية عددًا من المحاور الإستراتيجية لتعزيز الهوية الوطنية، تشمل بناء الوعي الرقمي، وإنتاج محتوى مصري جذاب، والحفاظ على الطابع العمراني والبصري للمدن، ودعم الاقتصاد الثقافي والصناعات التراثية، وتعزيز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والمجتمعية، وترسيخ مفهوم “المواطنة التنموية” القائمة على الحفاظ على الممتلكات العامة والبيئة، وإتقان العمل والإنتاج والتكافل المجتمعي.
وأكد فودة أن مسؤولية المؤتمر تتمثل في الخروج بمخرجات تنفيذية قابلة للتطبيق، تتكامل مع خطط الدولة ورؤية مصر 2030، داعيًا إلى بحث إطلاق “المؤشر الوطني للهوية”، ومبادرة وطنية للهوية البصرية، والتراث المحلي، وإنشاء بنك رقمي للمعرفة والتراث الشعبي المصري يوثق التراث اللامادي بمختلف المحافظات، واختتم كلمته بالتأكيد أن حماية الهوية الوطنية ليست استدعاءً للماضي، وإنما تأمين للمستقبل وترسيخ لركائز الدولة المصرية الحديثة، معربًا عن تمنياته بنجاح المؤتمر، وأن تمثل توصياته مرجعًا لصُنّاع القرار والباحثين والمجتمع.
الهوية الوطنية ترتبط بالثقافة
وخلال مشاركته في الجلسة العلمية لليوم الثاني من مؤتمر الهوية الوطنية، أكد وزير الدولة للإعلام الكاتب الصحفي ضياء رشوان، أن مفهوم الهوية الوطنية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة وطريقة الحياة، مشيرًا إلى أن فهم الهوية يحتاج إلى الربط بين علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية والتاريخ والجغرافيا، مع ضرورة تبسيط المفهوم خاصة أمام الأجيال الشابة.
وأوضح رشوان أن الثقافة، وفق المنظور الأنثروبولوجي، لا تعني فقط المعرفة أو القراءة والاطلاع، وإنما تُعبر عن “طريقة الحياة”، بما تشمله من أساليب التفكير والقيم والعادات والتقاليد وأنماط المأكل والملبس والتعامل والنظم الاجتماعية، مؤكدًا أن لكل مجتمع نمطًا ثقافيًا يتشكل عبر فترات زمنية طويلة.
وأضاف أن الهوية لا يمكن فصلها عن الثقافة، معتبرًا أنها تُعبر عن شعور جماعي بالانتماء إلى طريقة الحياة المشتركة، وليس مجرد تعريف فردي مستقل، لافتًا إلى أن الثقافة تسبق الهوية باعتبارها الإطار الذي تتكون داخله مشاعر الانتماء.
وأشار وزير الدولة للإعلام إلى أن مصر تُمثل نموذجًا تاريخيًا للدولة-الأمة، موضحًا أن الشخصية المصرية استطاعت عبر آلاف السنين استيعاب تأثيرات متعددة من شعوب وحضارات مختلفة، مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية، معتبرًا الإسكندرية نموذجًا واضحًا على قدرة الثقافة المصرية على استيعاب التنوع والتأثيرات المتعددة.
الثقافة المصرية تتمتع بقدر كبير من الاستمرارية
وتطرق رشوان إلى المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الهوية الوطنية، موضحًا أن التأثير في “طريقة الحياة” قد يظهر في أنماط الملبس والطعام وتصميم المنازل وأساليب الاحتفال والمناسبات الاجتماعية وغيرها من الممارسات اليومية، إلا أنه رأى أن الثقافة المصرية تتمتع بقدر كبير من الاستمرارية، وأنها تتغير بمرور الزمن، لكنها لا تتغير بالضرورة بصورة تؤدي إلى زوالها.
وحذّر من اختزال تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في فكرة تغيير الهوية بصورة مباشرة، موضحًا أن الشباب يتعرضون من خلالها لعوالم افتراضية ومقاربات مختلفة للحياة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يتخلون عن شخصيتهم الثقافية بمجرد استخدام هذه المنصات.
ويشارك في المؤتمر عدد من الوزراء والمسؤولين والخبراء والمفكرين والكتاب والإعلاميين والأكاديميين، إلى جانب نحو 450 شابًا وفتاة من مختلف المحافظات، بما يعزز تنوع الرؤى والحوار المجتمعي حول الهوية الوطنية، على أن تتوج فعالياته بإعلان “وثيقة الإسكندرية للهوية الوطنية” كأحد أبرز مخرجات المؤتمر، بما يدعم جهود ترسيخ الهوية وتعزيز الوعي بها، خاصة لدى الشباب.
