
في الوقت الذي تستنزف فيه الأزمة الإيرانية اهتمام واشنطن وتستهلك طاقتها الدبلوماسية، يُحكِم زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون قبضته على أوراق اللعبة الكبرى بهدوء محسوب، مستثمرًا ترسانته النووية وتحالفاته المتجددة مع بكين وموسكو ليعيد رسم ملامح نفوذه على الساحة الدولية.
وفي هذا الصدد، رصدت مجلة “نيوزويك” تحول الزعيم الكوري الشمالي من عزلة مفروضة إلى طرف لا يمكن تجاهله في شطرنج القوى العظمى.
رسالة للعالم
استضافت العاصمة الكورية الشمالية قمة جمعت كيم جونج أون بالرئيس الصيني شي جين بينج، أعادت تأكيد معاهدة الدفاع المشترك بين البلدين التي أتمت 65 عامًا، وهي المعاهدة التي تجعل بيونج يانج الحليف الأمني الرسمي الوحيد لبكين حتى اليوم.
والأهم أن هذه القمة جاءت بعد أسابيع قليلة فحسب من استضافة شي لكلٍ من نظيريه الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في بكين في قمتين منفصلتين، وهو توقيت لم يكن عابرًا بأي حال.
ونقلت “نيوزويك” عن أوك يانج، الباحث في معهد أسان للدراسات السياسية وعضو المجلس الاستشاري لهيئة الأركان المشتركة الكورية الجنوبية، قوله إن “زيارة شي تُثبت أن القيمة الجيوسياسية لكوريا الشمالية ارتفعت بشكل ملحوظ”، مضيفًا أن بيونج يانج لم تعد مجرد تابع لأحد، بل باتت “لاعبًا إستراتيجيًا متصاعد الأهمية كلما اشتد التنافس الدولي بين القوى الكبرى”.
المحور النووي
لا يقتصر الأمر على العلاقة مع الصين، إذ ارتقت العلاقة مع روسيا بدورها إلى مستوى الدفاع المشترك بموجب اتفاقية يونيو 2024، سرعان ما ترجمها كيم فعليًا بإرسال قوات للقتال إلى جانب موسكو في أوكرانيا.
وبحسب ما رصدته نيوزويك، فإن هذا المثلث لا يرتكز على تحالف رسمي صريح بقدر ما يقوم على ما وصفه أوك يانج بـ”تقاطع متنامٍ للمصالح”، لا سيما أن الدول الثلاث تمتلك أسلحة نووية وتشترك في هدف واحد هو الحد من النفوذ الأمريكي في مناطقها.
وأوضح باتريك كرونين، رئيس كرسي الأمن في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بمعهد هدسون، أن ما تسعى إليه الصين هو تكريس دورها “حارس بوابة آسيا القارية”، فيما يسعى كيم إلى ترسيخ هوية كوريا الشمالية بوصفها دولةً نووية تستحق مقعدًا دائمًا على طاولة القوى الكبرى.
وفي المقابل، تواصل واشنطن تعميق شراكاتها الأمنية مع طوكيو وسول عبر آليات الردع النووي المشترك، وهو ما يعزز الدوافع لمزيد من التنسيق بين أضلاع المثلث المقابل، في حلقة مفرغة تزيد المنطقة توترًا، وفق أوك يانج.
اللقاء المنتظر
لا تنفصل هذه التحالفات عن مسار دبلوماسي موازٍ يشقه كيم باتجاه واشنطن ذاتها، إذ أعلن الزعيم الكوري الشمالي في خطاب رسمي أمام جمعية الشعب الأعلى عام 2024 انفتاحه على استئناف الحوار مع واشنطن، لكن بشرط صريح هو “أن تتخلى عن مسعاها الأعمى لنزع تسليح الآخرين”، مُبديًا في الوقت ذاته “ذكريات طيبة” عن ترامب شخصيًا.
والأخير لم يُخفِ بدوره رغبته في لقاء جديد، إذ تحدث عن “علاقة جيدة جدًا” مع كيم حتى وهو على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى بكين.
ويرى كرونين أن ترامب “يتطلع فعلًا إلى قمة مع كيم”، وقد تتبلور بعد انتخابات التجديد النصفي، ربما على هامش قمة أبيك في شنتشن نهاية العام الجاري.
أما طموح كيم الأعمق فهو “إعادة صياغة الملف النووي بالأسلوب الذي أعادت به بكين تأطير قضية تايوان”، مستغلًا شخصية ترامب المنفتحة على الصفقات لانتزاع تنازلات إستراتيجية، كما لفت كرونين لـ”نيوزويك”.
الدرس الإيراني
عمقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قناعة كيم بأن السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة التي لا تسقط، إذ أكد يونجون كيم، أستاذ الأمن القومي في جامعة الدفاع الكورية ومستشار لمسؤولين أمريكيين وكوريين جنوبيين، لـ”نيوزويك”، أن الزعيم الكوري الشمالي “رأى مصير إيران وقرر ألا يتخلى عن أسلحته النووية قط”.
ويُعزز هذا المنطق ما ذهب إليه أوك يانج من أن إستراتيجية كيم الراهنة “تتمحور أساسًا حول البقاء والردع النووي وتعظيم الاستقلالية الإستراتيجية”، مضيفًا أن الأحداث الإقليمية المتلاحقة ستُرسخ قناعة بيونج يانج بأن أي دولة تفتقر إلى ردع نووي موثوق تظل عُرضة للضغط الخارجي.
وفي هذا السياق، يبدو أن كيم أسدل الستار نهائيًا على أي أفق للوحدة مع الجنوب، ساعيًا عوضًا عن ذلك إلى تكريس كوريا الشمالية دولةً نووية دائمة الحضور في المشهد الدولي، تُوازن بين شراكتها مع بكين وموسكو دون أن تقع في فلك أيٍ منهما.
