
بكين تهدد واشنطن وتعرقل مساعي ترامب لحصار إيران اقتصاديا
دافعت الصين عن تعاونها الاقتصادي مع إيران، محذرة الولايات المتحدة من اتخاذ إجراءات تستهدف الشركات والدول التي تتعامل مع طهران، في أول رد رسمي لبكين على العقوبات الأمريكية الجديدة، وسط مخاوف من أن تؤدي حملة واشنطن لتشديد الخناق الاقتصادي على إيران إلى فتح جبهة مواجهة جديدة مع الصين.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، خلال مؤتمر صحفي في بكين، اليوم الثلاثاء، إن بلاده تعارض العقوبات الأحادية، محذرًا من أنها قد تؤدي إلى تصعيد النزاعات، لا سيما وأن الأولوية ينبغي أن تكون خفض التوترات والعودة إلى المفاوضات.
وأضاف “لين” أن التعاون الصيني مع إيران يجري “ضمن الإطار الدولي” ولا ينبغي التدخل فيه أو تقويضه، محذرًا من أن بكين ستتخذ “جميع الإجراءات اللازمة” لحماية مصالحها، في رسالة حملت تهديدًا ضمنيًا بالرد على أي خطوات أمريكية تستهدف المصالح الصينية المرتبطة بإيران.
عقوبات أمريكية
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، قبل ساعات حزمة جديدة من العقوبات استهدفت عشرات الأفراد والكيانات والسفن، ضمن حملة أطلقت عليها واشنطن اسم “عملية المنبوذ الاقتصادي”، وتهدف إلى قطع ما تبقى من قنوات التمويل الإيرانية حول العالم.
واستهدفت الإجراءات الجديدة كيانات مقرها هونج كونج، لكنها تجنبت في الوقت نفسه فرض عقوبات مباشرة على المؤسسات المالية الصينية الكبرى، في إشارة إلى محاولة واشنطن زيادة تكلفة التعامل مع طهران دون الدخول حاليًا في مواجهة اقتصادية أوسع مع بكين.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، إن الحملة تُمثل هجومًا اقتصاديًا واسعًا على الروابط المالية الإيرانية حول العالم، وهدد بفرض ما يعرف بالعقوبات الثانوية على الشركات والدول التي تواصل التعامل مع طهران.
نفط إيراني
برزت الصين باعتبارها العقبة الأكبر أمام مساعي واشنطن لخنق الاقتصاد الإيراني، إذ تشتري بكين نحو 90% من النفط الإيراني، كما كانت ثاني أكبر شريك تجاري لإيران في 2025 بعد الإمارات العربية المتحدة، بحسب موقع “بلومبرج”.
ووفق تقرير الموقع الأمريكي، فإن اعتماد إيران الكبير على السوق الصينية يعني أن أي محاولة أمريكية جادة لقطع مصادر الإيرادات المتبقية لدى طهران ستحتاج على الأرجح إلى استهداف شركات صينية، ما قد يحول الضغوط الاقتصادية على إيران إلى أزمة مباشرة بين واشنطن وبكين.
ولم تنفذ إدارة ترامب حتى الآن تهديدات سابقة بفرض عقوبات ثانوية على جميع الشركات والدول التي تشتري النفط الإيراني، رغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سبق أن تعهد باستهداف المشترين، ما يثير تساؤلات حول مدى استعداد الإدارة للمضي في مواجهة الصين.
معضلة الصين
ووضع بيسنت الإدارة الأمريكية أمام معضلة واضحة، إذ إن استهداف الشركات الصينية قد يضعف قدرة إيران على الوصول إلى الأموال، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى رد اقتصادي من بكين ويهدد هدنة تجارية هشة بين الولايات المتحدة والصين، خصوصًا قبل القمة المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج، سبتمبر المقبل.
وقال بيسنت، إن “لا أحد فوق نطاق العقوبات الأمريكية”، لكنه أكد تفضيله “الدبلوماسية الهادئة” وامتنع عن تحديد أسماء شركات صينية قد تكون مستهدفة.
وأضاف الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، كريج سينجلتون، أن تجنب بيسنت الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالصين قد يكون منطقيًا تكتيكيًا قبل القمة المرتقبة، لكنه قد يعزز في المقابل اعتقاد بكين بأن واشنطن مترددة في فرض تكاليف كبيرة على المؤسسات الصينية الرئيسية.
رد صيني
رفضت الصين منذ فترة طويلة العقوبات الأمريكية الأحادية على إيران، معتبرة أنها غير مشروعة، بينما التزم القطاع الحكومي الصيني بدرجة كبيرة بالقيود الأمريكية لتقليل الأضرار الاقتصادية والحفاظ على إمكان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.
وفي الوقت نفسه، سمحت بكين لمصافي خاصة صغيرة تعرف باسم “مصافي الشاي” باستخدام طرق بديلة لاستيراد النفط الإيراني وتكريره، ما ساعد على استمرار تدفق الخام الإيراني إلى السوق الصينية.
وأمرت الصين، مايو الماضي، شركات محلية بعدم الالتزام بالعقوبات الأمريكية المفروضة على خمس مصافٍ، ما وضع البنوك الصينية الكبرى أمام معضلة بين الالتزام بتوجيهات بكين وخطر فقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.
وقال لين جيان، إن العقوبات ووسائل الضغط “لا تساعد في حل المشكلات”، وإنما تؤدي إلى تصعيد لا يخدم مصالح أي طرف.
خطر اقتصادي
حذّر خبراء من أن توسيع العقوبات الثانوية ليشمل الشركات الصينية قد يؤدي إلى رد انتقامي من بكين، خاصة إذا استهدفت واشنطن أحد البنوك الصينية الكبرى.
وقال الباحث في معهد هدسون، مايكل سوبوليك، إن بكين قد تعتبر استهداف بنك صيني إجراءً مزعزعًا للاستقرار ومهينًا، وانتهاكًا للهدنة التجارية التي توصل إليها ترامب وشي، ما قد يدفعها إلى فرض قيود على صادرات المعادن الحيوية أو الأدوية إلى الولايات المتحدة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تسبب فيه الحرب مع إيران بالفعل اضطرابات واسعة في الاقتصاد العالمي، بعدما أدت الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل، أواخر فبراير، إلى تعطيل إمدادات الطاقة وحركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات التجارة العالمية.
وأدت صدمة النفط والغاز الناتجة عن الحرب إلى زيادة تكاليف النقل والأسمدة ومدخلات الإنتاج، ورفعت معدلات التضخم العالمي، فيما أضاف ارتفاع أسعار الشحن والتأمين ضغوطًا على سلاسل الإمداد العالمية.
حرب أوسع
حذّر بيسنت من خطورة التحرك بسرعة كبيرة، مؤكدًا أن واشنطن ستمنح الشركات والدول فرصة لقطع علاقاتها مع إيران قبل فرض العقوبات، قائلًا إنه لا يريد “تفجير النظام المالي العالمي”.
وأظهرت تجربة العقوبات على روسيا بعد الحرب الأوكرانية أن الضغوط الاقتصادية يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء دون أن تؤدي بالضرورة إلى شل اقتصاد الدولة المستهدفة، بعدما أعادت موسكو توجيه تجارتها نحو الصين والهند ودول أخرى.
ورأى أستاذ الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، فالي نصر، أن العقوبات الثانوية ضد الدول التي تتعامل مع إيران ستوسع نطاق الحرب الاقتصادية لتشمل الصين والهند وتركيا ودول الخليج، محذرًا من أن واشنطن قد تحول بذلك حربها في الخليج إلى صراع اقتصادي أكبر مع قوى دولية أخرى حول العالم.
