تشهد شبه جزيرة القرم تصعيدًا عسكريًا متسارعًا، مع تكثيف أوكرانيا هجماتها الجوية والبرية والبحرية لعزلها عن العمق الروسي، وتستهدف كييف شبكات الإمداد والبنية التحتية الحيوية، في محاولة لإضعاف الوجود العسكري الروسي في الجنوب وتقليص قدرة موسكو على استخدام شبه الجزيرة قاعدةً استراتيجية.

حصار عنيف

ونقلت صحيفة “ذا تليجراف” البريطانية أن الحملة الأوكرانية حولت القرم، التي اعتبرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبرز مكاسب موسكو منذ ضمها عام 2014، إلى ساحة تواجه أزمات متلاحقة في الطاقة والوقود والخدمات، وسط تصاعد الضربات بالطائرات المسيّرة واستهداف الممرات اللوجستية.

وتعتبر موسكو شبه جزيرة القرم ركيزةً أساسيةً لوجودها العسكري في البحر الأسود، إلا أن الهجمات الأوكرانية الأخيرة استهدفت الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية التي تربطها بالأراضي الروسية، إلى جانب منشآت الطاقة ومصافي النفط وأنظمة الدفاع الجوي.

وامتدت الضربات هذا الأسبوع إلى ناقلات الوقود التابعة لما يعرف بـ”أسطول الظل”، حيث أعلنت أوكرانيا استهداف 76 سفينة كانت تنقل الوقود عبر بحر آزوف، في إطار خطة لقطع خطوط الإمداد الروسية.

وقال وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف إن المسيّرات تعزل القرم تدريجيًا، متعهدًا بأن تصبح شبه الجزيرة معزولة بالكامل، ومؤكدًا أن ما يواجهه الروس حتى الآن ليس سوى بداية الضغوط.

أزمات معيشية

تسببت الهجمات في طوابير طويلة من المركبات عند نقاط التفتيش، مع مغادرة أعداد كبيرة من السكان والسياح، بينما أغلقت شركات روسية أبوابها نتيجة ارتفاع التكاليف ونقص الوقود، وأعلنت السلطات حالة الطوارئ.

وشهدت مناطق واسعة انقطاعات متكررة للكهرباء، بالتزامن مع أزمة مياه متفاقمة، بعدما أعلنت أوكرانيا استهداف عشرات منشآت الطاقة خلال أسبوع واحد، ما أدى إلى تقليص ساعات الإمداد في بعض المناطق.

كما تراجعت الحركة السياحية بصورة حادة، إذ أُلغيت غالبية حجوزات الفنادق خلال الموسم الحالي، بعدما كانت القرم تستقبل ملايين السياح الروس سنويًا.

ضربات مكثفة

كثفت أوكرانيا هجماتها على الجسور الرئيسية التي تربط القرم بالأراضي الروسية، ومنها جسر تشونهار ومعبر هينيتشيسك، إضافة إلى الطريق السريع “نوفوروسيا” الذي يمثل أحد أهم مسارات الإمداد العسكري.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية تعرض منشأة تحميل النفط في ميناء كيرتش لأضرار كبيرة، فيما اضطرت السلطات الروسية إلى تعليق مبيعات الوقود للأفراد بسبب نقص الإمدادات.

ووفقًا لتحليل لمعهد دراسات الحرب، امتدت أزمة الوقود إلى معظم المناطق الروسية في الجزيرة، مع ارتفاع كبير في وتيرة الضربات الجوية الأوكرانية بعيدة ومتوسطة المدى خلال عام 2026.

عزل القرم

وفي القرم، ظهر نشاط واسع لبيع الوقود بصورة غير قانونية عبر تطبيق “تيليجرام” ومنصات التجارة الإلكترونية، حيث بات البنزين يباع بأسعار مرتفعة مع خدمة التوصيل المباشر.

وتحدث سكان من سيفاستوبول عن انقطاعات متكررة للكهرباء، وإغلاق متاجر، واعتماد العديد منها على الدفع النقدي فقط، في ظل تعطل أجهزة الصراف الآلي ونقص وسائل النقل.

ويرى محللون أوكرانيون، وفق “ذا تليجراف”، أن ذلك يهدف إلى تقويض قدرة روسيا على استخدام القرم قاعدةً لإطلاق الصواريخ وإدارة العمليات العسكرية في جنوب أوكرانيا.

وقال المحلل أنطون زملياني إن الضربات أثرت على قدرة الجيش الروسي على تشغيل قواعده الرئيسية، وأسهمت في تقليص كثافة نيران المدفعية مقارنة بالأشهر الماضية.

وأضاف أن استهداف مستودعات الذخيرة وشبكات النقل أدى إلى تعقيد إيصال الإمدادات إلى الوحدات الروسية، ما انعكس على سير العمليات الهجومية على طول الجبهة.

حرب المسيّرات

تعتمد كييف بصورة متزايدة على طائرات مسيّرة متوسطة المدى صُنعت باستخدام مكونات منخفضة الكلفة، مع تزويدها بمحطات اتصال عبر “ستارلينك” لزيادة مدى العمليات وتقليل تأثير التشويش.

وأصبحت هذه المسيّرات تستخدم أنظمة استهداف ذاتية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ما يسمح لها بإكمال المرحلة الأخيرة من الهجوم بصورة مستقلة، حتى في حال انقطاع الاتصال مع المشغل.

وتستخدم القوات الأوكرانية أنظمة أمريكية ومحلية، من بينها “هورنت” و”دارتس” و”بولافا” و”RAM-2X”، ضمن حملة تهدف إلى توسيع نطاق الضربات في العمق الروسي.

ويرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن السيطرة على المجال الجوي ستكون العامل الحاسم في تحديد مسار الحرب، معتبرًا أن أوكرانيا أصبحت منافسًا حقيقيًا لروسيا في هذا المجال.

وأكد أن حرمان موسكو من حرية الحركة في الجو والبحر، إلى جانب إبطاء عملياتها البرية، يمثل الركيزة الأساسية للاستراتيجية الأوكرانية خلال المرحلة المقبلة.

وتشير التطورات الميدانية إلى أن سباق التكنولوجيا بين الطرفين بات يحتل موقعًا متقدمًا في الحرب، مع استمرار كل جانب في تطوير أدواته الهجومية والدفاعية في مواجهة الآخر.