
في المكسيك، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه وصناعة الشهرة، فمع تمدد نفوذ عصابات المخدرات إلى العالم الرقمي، وجد عشرات المؤثرين أنفسهم في قلب صراع دموي، بعضهم دفع حياته ثمنًا لمحتوى أو علاقة أو حتى إشارة اعتبرها أحد أطراف الصراع انحيازًا إلى خصمه.
المهنة واحدة
كان سيزار جاستيلوم، البالغ من العمر 24 عامًا، يرتدي قبعة رعاة بقر وملابس برتقالية لامعة، ويحمل حقيبة توصيل على ظهره، بينما يمزح مع صديقيه أمام كاميرا البث المباشر، ثم مرت دراجة نارية كان على متنها شخصان ملثمان، أطلق أحدهما النار، ثم سقط جاستيلوم أرضًا بعد إصابته في الرأس، بينما استمرت الكاميرا في تسجيل المشهد.
لم يكن جاستيلوم مجرد شاب عادي على الإنترنت، فقد كان يتابعه أكثر من نصف مليون شخص، لكنه أصبح أحدث اسم في قائمة طويلة من المؤثرين الذين قُتِلوا في المكسيك، في جرائم وقعت أحيانًا أمام الكاميرات وفي أماكن عامة، وكأن الجريمة نفسها تحولت إلى رسالة موجهة إلى جمهور واسع.
ولم تكن قصة جاستيلوم استثناءً، ففي العام الماضي قُتِلت فاليريا ماركيز، البالغة من العمر 23 عاما، في أثناء بث مباشر من صالون التجميل الذي تعمل فيه، وكانت تتحدث إلى متابعيها قبل دقائق من إطلاق النار عليها، بل إنها أشارت خلال البث إلى أن شخصًا ما يريد قتلها.
واستمرت الكاميرا في العمل بعد إطلاق النار، وسجلت اللحظات المروعة التي أعقبت الجريمة.
وقبلها، قُتِل مؤثرون آخرون، بينهم كيفن كالاتري، الذي أُصيب برصاصة في الرأس في أثناء تصوير محتوى داخل فندق في مكسيكو سيتي، وخوسيه كارلوس جونزاليس هيريرا، الذي قُتِل أثناء بث مباشر في أحد الأسواق.
وتتركز نسبة كبيرة من هذه الجرائم في ولايات مثل سينالوا وخاليسكو ومكسيكو سيتي، بينما شهدت سينالوا وحدها مقتل ما لا يقل عن تسعة مؤثرين منذ عام 2024، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
العصابات تدخل عالم المؤثرين
ويرى خبراء تحدثوا لصحيفة “ذا تليجراف” البريطانية، أن الظاهرة تكشف تحولًا أوسع، وهو أن عالم الجريمة المنظمة لم يعد يكتفي بالسيطرة على الشوارع، بل بدأ ببناء نفوذ داخل الفضاء الرقمي أيضًا.
ويشير محللون إلى أن بعض المؤثرين أصبحوا مرتبطين بصورة مباشرة أو غير مباشرة بعصابات قوية، سواء من خلال الترويج لأسلوب حياة العصابات، أو إقامة علاقات مع أفرادها، أو المشاركة في أنشطة تجارية يمكن استخدامها لإخفاء الأموال غير المشروعة.
ويصف المحلل الأمني كريس دالبي هذه الظاهرة بأنها نوع من “كارتلة الإنترنت” في المكسيك، إذ تتحول المنصات الاجتماعية إلى ساحة جديدة لعرض النفوذ واستقطاب المتابعين وربما جذب مجندين جدد.
فالسيارات الفارهة، والحفلات الباذخة، والمطاعم الفاخرة والملابس باهظة الثمن، أصبحت جزءًا من الصورة التي تقدمها بعض الحسابات المرتبطة بثقافة العصابات.
وبالنسبة إلى شباب نشأوا في مناطق تهيمن عليها تلك الجماعات، قد تبدو هذه الحياة جذابة، خصوصًا عندما تتحول الشهرة إلى أموال ومتابعين ونفوذ.
ولا تتوقف العلاقة بين المؤثرين وعالم الجريمة عند الترويج أو استعراض أسلوب الحياة، فقد اتُهم بعض الشخصيات العامة باستخدام أعمال مشروعة ظاهريا كغطاء لتحريك أموال العصابات، عبر صالونات التجميل، والعلامات التجارية للملابس، والمطاعم، وشركات تنظيم الفعاليات، وحتى صناعة الموسيقى.
ويقول خبراء إن الأموال غير المشروعة يمكن أن تختلط بإيرادات تبدو طبيعية، مثل عائدات الإعلانات على يوتيوب، وأرباح بث الموسيقى، وصفقات الرعاية، ورسوم الظهور والترويج.
وفي يناير الماضي، وُزِعت منشورات من طائرة فوق ولاية سينالوا تتضمن تهديدات لنحو 25 من صناع المحتوى، وتتهمهم بتمويل وغسل أموال لصالح أحد الفصائل الإجرامية.
ولم تتوافر أدلة تثبت تورط جميع الأسماء الواردة في المنشورات في أنشطة إجرامية، لكن ستة من المؤثرين المدرجين على القائمة قُتِلوا لاحقًا.
