
أعلنت البحرية الأمريكية هذا الأسبوع ما وصفته بـ”التحول المحوري” في خططها المستقبلية للقوة البحرية تحت سطح البحر، عبر إعادة تصنيف 19 غواصة هجومية نووية من فئة “فيرجينيا” إلى غواصات مزودة بالصواريخ الموجهة، في خطوة يرى محللون أنها تكشف ملامح الاستراتيجية الأمريكية المحتملة في أي صراع مستقبلي بمنطقة المحيطين الهادئ والهندي، حيث تواصل الصين تعزيز قدراتها العسكرية بوتيرة متسارعة.
وبموجب الخطة الجديدة، ستُزود الغواصات بوحدة إضافية تُعرف باسم “Virginia Payload Module” بطول 84 قدمًا، ما يضيف 28 خلية إطلاق صواريخ إلى 12 خلية موجودة أصلًا، لتصبح قادرة على حمل صواريخ “توماهوك” للهجوم البري، إضافة إلى مركبات فرط صوتية.
ويرى خبراء أن الجمع بين قدرات التخفي العالية للغواصات والأسلحة بعيدة المدى يمنح واشنطن وسيلة فعالة لاختراق شبكات الدفاع الصاروخي الصينية، خاصة داخل ما يُعرف بـ”سلسلة الجزر الأولى” الممتدة من اليابان مرورًا بتايوان والفلبين، وهي المنطقة التي تتركز فيها القوة النارية الصينية.
فجوة مؤقتة
تأتي هذه الخطوة في وقت تبدأ فيه البحرية الأمريكية سحب غواصاتها الأربع من فئة “أوهايو” الموجهة بالصواريخ، التي جرى تحويلها قبل عقدين من منصات للردع النووي إلى منصات تقليدية قادرة على حمل ما يصل إلى 154 صاروخ “توماهوك” لكل غواصة.
واستخدمت إحدى هذه الغواصات خلال عملية “مطرقة منتصف الليل” عام 2025 ضد مواقع نووية إيرانية، ما أبرز أهميتها كمنصات هجومية بعيدة المدى.
لكن تقاعد هذه الغواصات سيؤدي، وفق تقديرات مجلس القاعدة الصناعية للغواصات في واشنطن، إلى خفض القدرة الأمريكية على توجيه الضربات من تحت الماء بنسبة قد تصل إلى 60% خلال السنوات المقبلة، خاصة أن أول غواصة “فيرجينيا” المعدلة لن تدخل الخدمة قبل عام 2029، بينما لن يكتمل الأسطول الجديد قبل عام 2038.
ورغم امتلاك البحرية الأمريكية حاليًا أكثر من 24 غواصة هجومية من فئة “فيرجينيا”، إلى جانب نحو 20 غواصة من فئة “لوس أنجلوس” وثلاث غواصات من فئة “سي وولف”، فإن الفجوة في القدرة الصاروخية ستظل قائمة مؤقتًا.
مزايا وتحديات
يحذر محللون من أن استبدال غواصات “أوهايو” لا يمثل عملية إحلال مباشرة، إذ تحمل غواصة “فيرجينيا” الجديدة نحو ربع عدد الصواريخ التي تحملها غواصة “أوهايو”، ما يعني الحاجة إلى أربع غواصات جديدة تقريبًا لمعادلة القوة النارية لغواصة واحدة من الفئة القديمة.
كما أن غواصات “أوهايو” كانت تعمل بطاقمين متناوبين، ما يسمح لها بقضاء وقت أطول في الدوريات البحرية، بينما تعتمد “فيرجينيا” على طاقم واحد فقط.
مع ذلك، يرى خبراء أن توزيع الصواريخ على عدد أكبر من المنصات يوفر ميزة عملياتية مهمة، إذ يصعّب على الخصوم تعقب جميع الأهداف المحتملة أو استهدافها في وقت واحد.
مواجهة الصين
تكتسب هذه التغييرات أهمية خاصة في ظل التوسع السريع للقوات البحرية الصينية، إذ أشار تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن بكين أطلقت بين عامي 2021 و2025 عشر غواصات جديدة مقابل سبع غواصات أمريكية فقط.
كما تجاوز إجمالي الحمولة التي أطلقتها الصين خلال تلك الفترة 79 ألف طن، مقارنة بنحو 55 ألف طن للولايات المتحدة، ما يعكس تسارعًا في بناء الأسطول الصيني، وفي الوقت نفسه، واصلت بكين تعزيز ترسانتها الصاروخية، حيث قدرت وزارة الدفاع الأمريكية في نهاية 2024 أن قوة الصواريخ الصينية زادت مخزونها بنحو 50% خلال أربع سنوات.
ويرى محللون أن الغواصات الأمريكية الجديدة قد تلعب دورًا محوريًا في أي مواجهة محتملة حول تايوان، من خلال استهداف مراكز القيادة والرادارات ومنصات توجيه الصواريخ الصينية في المراحل الأولى من الصراع.
أسلحة فرط صوتية
تُعد القدرة على إطلاق أسلحة فرط صوتية أحد أبرز عناصر التطوير في غواصات “فيرجينيا” الجديدة، إذ تمنحها إمكانية تنفيذ ضربات سريعة يصعب اعتراضها، وتقلص الوقت المتاح أمام الخصم للرد.
ويقول خبراء إن هذه القدرات تمنح الولايات المتحدة وسيلة إضافية لردع خصومها وإرباك خططهم الدفاعية، خاصة مع اقتراب الغواصات من مناطق العمليات الحساسة.
لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن الصين لا تقف مكتوفة الأيدي، فقد كشفت خلال عرض عسكري العام الماضي عن مجموعة جديدة من الصواريخ والمركبات الفرط صوتية والطائرات والغواصات المسيرة تحت الماء، ما يعكس استمرار سباق التسلح البحري والتكنولوجي بين القوتين.
وترى البحرية الأمريكية أن الغواصات الجديدة، المزودة بأحدث أنظمة الاستشعار والتخفي والأتمتة، ستساعدها على الحفاظ على تفوقها التقليدي في أعماق البحار، رغم التحديات المتزايدة التي تفرضها القدرات العسكرية الصينية المتنامية.
