الأمم المتحدة تنتخب خمسة قضاة جدد لمحكمة العدل الدولية وسط تصاعد النزاعات القانونية بين الدول
انتخبت الأمم المتحدة خمسة قضاة جدد لمحكمة العدل الدولية لمدة 9 سنوات تبدأ في فبراير 2027، في وقت تواجه فيه المحكمة عددًا قياسيًا من القضايا الدولية.
انتخاب خمسة قضاة جدد لمحكمة العدل الدولية
أعلنت الأمم المتحدة انتخاب خمسة قضاة جدد لعضوية محكمة العدل الدولية، خلال تصويت جرى في مقر المنظمة الدولية بنيويورك، لشغل المقاعد الشاغرة في الهيئة القضائية الرئيسية التابعة للأمم المتحدة، على أن تبدأ الولايات الجديدة في 6 فبراير 2027 وتستمر لمدة تسع سنوات.
وجاءت الانتخابات في وقت تشهد فيه المحكمة ارتفاعًا ملحوظًا في حجم القضايا المعروضة عليها، بالتزامن مع استمرار نزاعات دولية تتعلق بالحدود والسيادة وتفسير المعاهدات والالتزامات الإنسانية، فضلًا عن دعاوى تتناول اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
وشملت قائمة القضاة المنتخبين دابو أكندي من المملكة المتحدة، وفرانسوا ألبرون من فرنسا، ومحمود ضيف الله حمود من الأردن، ورينا لي من سنغافورة، وفيبي أوكوا من كينيا، بعد عملية تصويت شاركت فيها الجمعية العامة ومجلس الأمن، وهما الجهتان المسؤولتان عن انتخاب أعضاء المحكمة.
من هم القضاة الخمسة الذين فازوا بعضوية المحكمة؟
يمثل القضاة المنتخبون مجموعة من الخلفيات القانونية والدبلوماسية المختلفة، وهو ما يعكس الطابع الدولي للمحكمة التي تضم قضاة من جنسيات متعددة، بهدف ضمان تمثيل المدارس القانونية والتقاليد القضائية المختلفة داخل المؤسسة.
ويبرز اسم دابو أكندي، الأكاديمي والمتخصص في القانون الدولي، ضمن الأسماء التي حظيت بدعم الدول الأعضاء خلال عملية التصويت. كما فاز فرانسوا ألبرون بالمقعد المخصص له، في خطوة تعزز الحضور الفرنسي داخل الهيئة القضائية الدولية.
أما محمود ضيف الله حمود، فقد مثل الأردن في الانتخابات، ليكون أحد القضاة العرب الذين سيشاركون في نظر القضايا المعروضة على المحكمة خلال السنوات المقبلة. وتكتسب مشاركته أهمية في ظل تعدد الملفات الدولية المرتبطة بالمنطقة العربية، وما تثيره من مسائل قانونية تتعلق بتطبيق قواعد القانون الدولي.
وفي السياق نفسه، حققت رينا لي إنجازًا لسنغافورة، بعدما أصبحت أول سنغافورية تنتخب قاضية في محكمة العدل الدولية، وأول امرأة من جنوب شرق آسيا تصل إلى عضوية المحكمة، وفق ما أعلنته الحكومة السنغافورية.
كما فازت فيبي أوكوا من كينيا بالمقعد الخامس، بعد جولات تصويت إضافية شهدتها العملية الانتخابية، وهو ما أنهى المنافسة على آخر المقاعد الشاغرة.
لماذا احتاج انتخاب القاضي الخامس إلى جولات إضافية؟
لم تحسم عملية التصويت جميع المقاعد الخمسة من الجولة الأولى، إذ توصلت الجمعية العامة ومجلس الأمن إلى توافق بشأن أربعة مرشحين، بينما ظهر خلاف بشأن المقعد الأخير.
ففي حين حصل مرشح الإكوادور مارسيلو فاسكيز بيرموديز على دعم داخل مجلس الأمن، حظيت فيبي أوكوا بتأييد الجمعية العامة، الأمر الذي أدى إلى استمرار التصويت في محاولة للوصول إلى مرشح يحظى بالأغلبية المطلوبة في الجهتين.
وتنص آلية انتخاب قضاة محكمة العدل الدولية على ضرورة حصول المرشح على أغلبية مطلقة في كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن، وليس الاكتفاء بالفوز في إحدى المؤسستين. ولذلك يمكن أن تستمر العملية الانتخابية عبر أكثر من جولة حتى يتم شغل جميع المقاعد.
وانتهت المنافسة بعد انسحاب مرشح الإكوادور، ثم حصول أوكوا على التأييد اللازم من المؤسستين، لتكتمل قائمة القضاة الخمسة الذين سيتولون مهامهم اعتبارًا من فبراير 2027.
وتكشف هذه الإجراءات عن طبيعة التوازن السياسي والقانوني داخل الأمم المتحدة، إذ لا يقتصر انتخاب قضاة المحكمة على المنافسة المهنية بين المتخصصين في القانون، بل يتطلب أيضًا توافقًا واسعًا بين الدول الأعضاء في أجهزة المنظمة.
محكمة العدل الدولية تواجه عددًا قياسيًا من القضايا
تأتي الانتخابات الجديدة في مرحلة مهمة بالنسبة إلى محكمة العدل الدولية، التي تواجه عبئًا متزايدًا من النزاعات القانونية بين الدول.
وكان رئيس المحكمة يوجي إيوساوا قد أشار، خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 أكتوبر 2026، إلى وجود 24 قضية متنازع عليها لا تزال منظورة أمام المحكمة، وتشمل ملفات تتعلق بالأراضي وحقوق الإنسان وتفسير المعاهدات الدولية.
ويعكس هذا العدد اتساع نطاق الخلافات التي تلجأ الدول إلى القضاء الدولي لحسمها، خصوصًا في ظل استمرار الأزمات المسلحة والنزاعات الحدودية والخلافات بشأن تنفيذ الاتفاقيات الدولية.
وتختلف طبيعة القضايا المعروضة أمام المحكمة؛ فبعضها يتعلق بتحديد المسؤولية القانونية لدولة عن تصرفات منسوبة إليها، بينما يرتبط بعضها الآخر بتفسير التزامات تعاقدية أو تحديد مدى توافق إجراءات معينة مع قواعد القانون الدولي.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة لأن أحكام المحكمة يمكن أن تؤثر في العلاقات بين الدول، وتحدد التزامات قانونية قد تمتد آثارها إلى ملفات سياسية وإنسانية واقتصادية.
قضية الإبادة الجماعية في غزة ضمن الملفات التي تحظى بمتابعة دولية
من بين القضايا التي تستقطب اهتمامًا دوليًا، الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، متهمة إياها بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال الحرب على قطاع غزة.
وكانت المحكمة قد أصدرت تدابير مؤقتة في القضية، تتعلق بالتزامات يتعين اتخاذها وفق ما حددته أوامرها القضائية، لكن هذه التدابير لا تعني صدور حكم نهائي يقرر ما إذا كانت جريمة الإبادة الجماعية قد وقعت بالفعل.
ويظل الفصل في جوهر الاتهامات مسألة قانونية منفصلة تتطلب استكمال الإجراءات والنظر في الأدلة والدفوع المقدمة من الأطراف، وهو ما يستغرق وقتًا في القضايا الدولية المعقدة.
وتوضح هذه القضية أهمية التمييز بين التدابير المؤقتة والأحكام النهائية؛ فالأولى تهدف إلى حماية الحقوق محل النزاع خلال نظر الدعوى، بينما يتناول الحكم النهائي المسؤولية القانونية والطلبات الموضوعية التي طرحتها الدول أمام المحكمة.
حكم مرتقب في قضية الروهينجا أمام المحكمة
وفي تطور قضائي آخر، أعلنت محكمة العدل الدولية أنها ستصدر حكمها في 19 نوفمبر 2026 بشأن القضية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار، والمتعلقة باتهامات بارتكاب انتهاكات لاتفاقية منع الإبادة الجماعية بحق أقلية الروهينجا.
وتحظى القضية بأهمية كبيرة لأنها تتناول مسؤولية الدول عن الالتزام بالاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، كما شهدت مشاركة عدد من الدول في الإجراءات القانونية من خلال التدخل في القضية.
ومن المنتظر أن يمثل الحكم محطة مهمة في مسار الدعوى، التي تتعلق بأحداث أثارت اهتمامًا واسعًا لدى المؤسسات الحقوقية والدولية، ودفعت إلى طرح تساؤلات بشأن حدود المسؤولية الدولية وآليات حماية الأقليات.
ولا ينبغي الخلط بين الإعلان عن موعد الحكم والنتيجة التي ستصل إليها المحكمة؛ إذ لم يكن الحكم قد صدر حتى 4 نوفمبر 2026، ومن ثم لا يمكن الجزم بمضمونه قبل إعلان القرار رسميًا.
كيف تعمل محكمة العدل الدولية وما طبيعة اختصاصها؟
تأسست محكمة العدل الدولية عام 1945، وتتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقرًا لها، وتعد الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. وتتكون من 15 قاضيًا، ينتمون إلى دول مختلفة، ويتم انتخابهم لمدة تسع سنوات، مع إمكانية إعادة انتخابهم وفق القواعد المنظمة لعمل المحكمة.
وتتولى المحكمة الفصل في النزاعات القانونية التي تعرضها عليها الدول، كما تقدم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي تحيلها إليها الجهات المخولة داخل الأمم المتحدة وبعض الوكالات المتخصصة.
ومن المهم توضيح أن اختصاص المحكمة في القضايا المتنازع عليها يتعلق بالدول، وليس بمحاكمة الأفراد عن الجرائم الجنائية. فهذا الاختصاص يختلف عن دور المحكمة الجنائية الدولية التي تنظر في المسؤولية الجنائية للأشخاص وفق نظامها الأساسي وشروط اختصاصها.
كما أن محكمة العدل الدولية لا تبدأ القضايا من تلقاء نفسها، وإنما تنظر النزاعات عندما تتوافر الشروط القانونية اللازمة لاختصاصها، بما في ذلك الأساس الذي يسمح لها بالفصل في النزاع بين الدول المعنية.
ماذا تعني الانتخابات الجديدة لمستقبل القضاء الدولي؟
يمثل انتخاب القضاة الخمسة خطوة مهمة في تجديد عضوية المحكمة وضمان استمرار عملها خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع تزايد الملفات التي تتطلب معالجة قانونية دقيقة في ظل التوترات الدولية.
ومن المتوقع أن يشارك القضاة الجدد في نظر القضايا التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة بعد بدء ولاياتهم، مع مراعاة الإجراءات القضائية والضمانات التي تحكم عمل الهيئة الدولية.
وتظل أهمية هذه الانتخابات مرتبطة بقدرة المحكمة على مواصلة أداء دورها في تسوية النزاعات بالوسائل القانونية، وتقديم تفسيرات للالتزامات الدولية، بعيدًا عن اللجوء إلى القوة أو التصعيد السياسي.
ومع وجود 24 قضية متنازعًا عليها أمام المحكمة، إلى جانب ملفات كبرى تتعلق بغزة والروهينجا وغيرها من النزاعات، ستكون المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة القضاء الدولي على التعامل مع عدد متزايد من القضايا المعقدة، والحفاظ على الثقة في دوره بوصفه إحدى المؤسسات الرئيسية لتطبيق القانون الدولي.



