تعتزم أوروبا التخلص من أوراق دونالد ترامب المتعددة للضغط عليها كلما توترت العلاقات بينهما، على رأسها الهيمنة الأمريكية على مجال التكنولوجيا، إذ تتشبث المفوضية الأوروبية بخطة جديدة تهدف إلى تقليص اعتماد القارة العجوز على مزودي التكنولوجيا الأجانب الذين يشكلون العمود الفقري للاقتصاد الرقمي الحديث، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن المبادرة لا تستهدف الدخول في مواجهة مباشرة مع عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين.

وتتبنى حزمة “السيادة التكنولوجية” الأوروبية، التي جاءت مدفوعة جزئيًا بمخاوف متزايدة من استخدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لاعتماد أوروبا على الشركات الأمريكية كورقة ضغط سياسية، رؤية طويلة الأمد تستهدف تعزيز الشركات الأوروبية وتمكينها من منافسة نظيراتها الأمريكية مستقبلًا، بحسب موقع “بوليتيكو” الأمريكي.

وفي السياق ذاته، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وفق تقرير “بوليتيكو”: “لا يمكننا تحمل الاعتماد على الآخرين في التقنيات التي تُبقي مستشفياتنا تعمل، وشبكات الطاقة لدينا مستقرة، وخدماتنا آمنة، الأمر يتعلق بحماية مواطنينا والدفاع عن مصالحنا وضمان قدرتنا على اتخاذ قراراتنا بأنفسنا”.

تفاصيل القانون الجديدة

وتتمثل الركيزة الأساسية للحزمة الجديدة في قانون تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي الأوروبي، الذي يتضمن آلية تتيح للمفوضية الأوروبية تقييم مدى موثوقية الدول الأجنبية في تقديم الخدمات الرقمية للقطاعات العامة الحساسة داخل الاتحاد، إلا أن التركيز الرئيسي للتشريع المقترح ينصب على دعم نمو الشركات الأوروبية وتحويلها إلى منافسين حقيقيين قادرين على مواجهة شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى.

وحال إقرار الحزمة، ستتضمن الإجراءات توجيه التمويل العام نحو المنتجات التي تعزز الاقتصاد الأوروبي واستقلاله التكنولوجي، وتبسيط الإجراءات التنظيمية الخاصة بمراكز البيانات، وتعزيز البحث العلمي والابتكار عبر مبادرات قيادية جديدة وتشجيع الدول الأعضاء على تقاسم القدرات الرقمية من خلال منتدى جديد يحمل اسم “يوروكلاود”، فضلًا عن إلزام الحكومات الأوروبية بوضع إستراتيجيات وطنية لتسريع تبني التقنيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.

ووفق “بوليتيكو”، تتضمن الخطة سلسلة من المبادرات الصناعية لزيادة الطلب الأوروبي على الرقائق الإلكترونية المتطورة، في إطار مراجعة قانون الرقائق الصادر عام 2023، استجابةً لانتقادات وجهها القطاع الصناعي الأوروبي.

معضلة فك الارتباط

وتأتي هذه المقترحات ردًا على تنامي القلق داخل أوروبا بشأن المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأمريكية.

وبحسب المفوضية الأوروبية، تنفق دول الاتحاد نحو 264 مليار يورو سنويًا على التكنولوجيا الأمريكية، بينما تهيمن ثلاث شركات أمريكية عملاقة هي ميكروسوفت وجوجل وأمازون على سوق خدمات الحوسبة السحابية، التي تشكل البنية التحتية الأساسية للبريد الإلكتروني، وتخزين ومعالجة البيانات العامة والخاصة، إضافة إلى العديد من الخدمات الحكومية الرقمية.

ورغم ذلك، حذرت بعض الحكومات الأوروبية من أن فك الارتباط الكامل مع التكنولوجيا الأمريكية ليس خيارًا واقعيًا أو مرغوبًا فيه.

وفي ظل المفاوضات الجارية داخل البرلمان الأوروبي، بشأن اتفاقية تجارية مثيرة للجدل مع الولايات المتحدة، حرصت المفوضية على التأكيد أن الإجراءات الجديدة لا تستهدف الشركات الأمريكية بشكل مباشر.

ولا تزال الشركات الأمريكية مرشحة للاحتفاظ بمستوى مرتفع من النفاذ إلى السوق الأوروبية، مستفيدة من اتفاقية حماية البيانات المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلى جانب الإجراءات التي اتخذتها بعض الشركات الأمريكية أخيرًا للحد من مخاطر التدخلات الخارجية.

تقييم للمخاطر

وتقترح المفوضية الأوروبية كذلك إعداد قائمة بالدول الموثوقة، مع إلزام الحكومات الأوروبية بإجراء تقييم شامل لما يعرف بـ”مخاطر السيادة” لكل خدمة رقمية تعتمد عليها.

وسيأخذ هذا التقييم في الاعتبار عدة عوامل، من بينها حجم السيطرة الأجنبية على الخدمة، وإمكان الوصول إلى البيانات الحساسة، ومخاطر تعطل العمليات التشغيلية، وستمنح الحكومات عامًا واحدًا كمهلة لتحديد مستوى الحماية المطلوب لكل قطاع عام، واختيار الخدمات الرقمية المناسبة وفقًا لذلك، ما لم تتمكن من إثبات أن الالتزام بهذه المعايير سيؤدي إلى تكاليف غير متناسبة.

ومع ذلك، تحتفظ المفوضية الأوروبية بحق مراجعة هذه التقييمات أو تجاوزها في تشريعات لاحقة إذا رأت أن الدول الأعضاء قللت من حجم المخاطر.

وتشير تقديرات المفوضية إلى أن نحو 1% فقط من الخدمات العامة الأوروبية تُعد شديدة الحساسية إلى درجة تستوجب الاعتماد الكامل على حلول رقمية خالية تمامًا من أي تكنولوجيا أجنبية بموجب نظام الاعتماد المقترح.