
أوروبا تحت وطأة اللهيب.. القارة العجوز تدفع فاتورة الاحترار الباهظة
تواجه أوروبا تداعيات اقتصادية متصاعدة بفعل موجات الحر والجفاف وحرائق الغابات، التي انعكست على قطاعات النقل والطاقة والزراعة والسياحة، وأدت إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار، وزيادة الضغوط على الحكومات والشركات، وسط تحذيرات من آثار طويلة الأمد على اقتصادات القارة.
أزمة الأنهار
تسببت موجات الحر والجفاف وحرائق الغابات في خسائر متزايدة لقطاعات الشحن والطاقة والزراعة والسياحة، مع اضطرابات في الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد وارتفاع الأسعار، ما يضع الاقتصاد الأوروبي أمام تحديات تمتد لسنوات.
ودعا وزير النقل في ولاية شمال الراين-وستفاليا الألمانية، أوليفر كريشر، إلى تشكيل لجنة طوارئ لمعالجة انخفاض منسوب مياه نهر الراين، بعدما كادت الملاحة تتوقف، واضطرت سفن الشحن إلى توزيع حمولاتها، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الألماني تباطؤًا متزايدًا، وفق تقرير صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية.
ويعد نهر الراين شريانًا رئيسيًا لنقل الحبوب والفحم والمواد الكيميائية والمعادن والنفط، وأدى انخفاض تساقط الثلوج والطقس الحار والجاف منذ الربيع إلى تراجع منسوب الأنهار، بعدما شهدت ألمانيا وضعًا مشابهًا عام 2018، تسبب في انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4%.
كما تراجع منسوب مياه نهر الدانوب، الممتد من ألمانيا إلى البحر الأسود، ما دفع المجر إلى خفض إنتاج الطاقة النووية، وصربيا إلى تقليص إنتاج الطاقة الكهرومائية، مع مطالبة السكان بترشيد استهلاك الكهرباء.
أزمة الطاقة
أغلقت المجر محطة باكس للطاقة النووية، وهي المصدر لنحو نصف كهرباء البلاد، بسبب انخفاض منسوب المياه اللازمة للتبريد، ومن المتوقع استمرار الإغلاق عدة أسابيع على الأقل، بحسب صحيفة “تليجراف”.
وأعلنت المجر وصربيا ورومانيا حاجتها إلى شراء كميات إضافية من الكهرباء لتعويض انخفاض الإنتاج، في وقت يُتوقع فيه ارتفاع أسعار الطاقة مع زيادة الطلب، لتتحمل الشركات والمستهلكون التكلفة النهائية.
وأثر انخفاض منسوب المياه أيضًا على قطاع الشحن الزراعي، إذ وجد المزارعون صعوبة في نقل منتجاتهم، بينما استغل المشترون الوضع بعروض أقل لنقل البضائع بالشاحنات، وانخفضت قيمة الحبوب الأوروبية بنسبة 5% خلال يونيو.
تضرر السياحة
تسبب انخفاض منسوب مياه نهر الدانوب، ثاني أطول أنهار قارة أوروبا، في تعطيل حركة السفن السياحية، إذ عجزت عن الرسو في بودابست، وبقيت عالقة وسط النهر، ما حرم المدينة من إنفاق الزوار.
وفي بلغاريا، أجلت فرق الإنقاذ 186 راكبًا من سفينة سياحية جنحت في مياه ضحلة، بينما أكد مشغلو الرحلات النهرية، لوكالة أسوشيتد برس، أن الجفاف أنهى الموسم السياحي فعليًا منذ يوليو، رغم أن أغسطس يعد ذروة النشاط السنوي.
وامتدت الأزمة إلى اليابسة، حيث شهدت فرنسا وإسبانيا واليونان حرائق غابات واسعة أدت إلى إجلاء مئات الآلاف من السكان، وتسببت في خسائر كبيرة للشركات والحكومات، فيما وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحرائق بأنها الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، وفق تقرير “تليجراف”.
وقال مسؤولون في مدريد إن الحرائق، غرب العاصمة، هي الأسوأ في تاريخ المنطقة، بينما تزايدت الضغوط على خدمات الصحة والإنقاذ، وارتفع استهلاك الطاقة، وتعطلت حركة النقل، وارتفعت أقساط التأمين، وزادت أعباء الإنفاق العام.
خسائر متراكمة
وتعطلت سلاسل التوريد، وارتفعت أسعار المواد الغذائية، وتعرض قطاع السياحة لخسائر كبيرة خلال الموسم الرئيسي، في وقت شهدت فيه أوروبا ثلاث موجات حر حتى الآن، مع توقعات باستمرار الظاهرة.
وأظهرت دراسة للبنك المركزي الأوروبي وجامعة مانهايم أن موجات الحر والجفاف والفيضانات في عام 2025 خفضت الإنتاج الأوروبي بنسبة 0.3%، مع توقعات بارتفاع الانخفاض إلى 0.8% بحلول عام 2029 إذا استمرت الظروف المناخية الحالية.
وقدرت وكالة البيئة الأوروبية خسائر دول الاتحاد الأوروبي بين عامي 2021 و2024 بنحو 200 مليار يورو، بينما بلغت الأضرار خلال العام الماضي 43 مليار يورو، وفق دراسة لجامعة مانهايم.
كما كلف احتواء حرائق إسبانيا هذا العام نحو 2.5 مليار يورو، بينما توقعت المفوضية الأوروبية، في بداية العام، ألا يتجاوز الإنفاق السنوي على الكوارث الطبيعية هذا الرقم.
توقف الإنتاج
دمرت الحرائق في فرنسا غابات وأراضي تعادل أربعة أضعاف مساحة باريس، وأثرت على 14 ألفًا و500 شركة حول بوردو، مع تعرض قطاع السياحة المرتبط بمزارع العنب لخسائر كبيرة بسبب الإلغاءات الجماعية.
وضمت المنطقة المتضررة صناعات الدفاع والفضاء والطيران، حيث أُجلي العاملون، واستمر صرف رواتبهم، بينما توقف الإنتاج، ما يستلزم دعمًا حكوميًا لاستئناف العمل وتلبية الطلبات السابقة.
وأعلنت غرفة التجارة الفرنسية الإقليمية أن الحرائق أثرت على 40 ألف شركة، منها 19 ألفًا و500 شركة أغلقت بالكامل، فيما تحول ما بين 120 ألفًا و150 ألف موظف إلى العمل الجزئي بدعم حكومي.
تعويضات التأمين
بحسب شركة أليانز، دفعت شركات التأمين 56.3 مليار دولار تعويضات عن حرائق الغابات الكبرى خلال العقد الماضي، مقابل 8.7 مليار دولار فقط في العقد السابق، بينما يتجه العقد الحالي إلى تسجيل خسائر أكبر.
ووفق “تليجراف” تضطر شركات التأمين إلى رفع أقساط التأمين، بما يشمل تأمين المنازل والأعمال في المناطق المتضررة، وهو ما ينعكس على الأسعار والتضخم، ويزيد الضغوط الاقتصادية.
وأكد التقرير أن أزمة المناخ تدفع قطاع التأمين إلى إعادة تقييم إدارة المخاطر، في وقت لا تشمل فيه وثائق التأمين 75% من الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية، وفق منظمة “تأمين أوروبا”.
خسائر بشرية
ووفق الصحيفة البريطانية، تشير التقديرات إلى وفاة نحو 10 آلاف شخص في أوروبا بسبب موجات الحر هذا العام، بينهم 9 آلاف تجاوزت أعمارهم 65 عامًا، فيما سجلت فرنسا نحو 5700 وفاة، بزيادة 36% عن توقعات الحكومة، وهو أعلى عدد وفيات بسبب كارثة طبيعية منذ عام 2003.
وبلغ متوسط درجة الحرارة في أوروبا خلال يونيو 2026 نحو 20.74 درجة مئوية، بينما تجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية في بعض الدول، مع استمرار الاعتماد على الوقود، رغم التوسع في الطاقة المتجددة.
وسجل الشهر الماضي رقمًا قياسيًا عالميًا في عدد الرحلات التجارية خلال 24 ساعة، فيما ارتفع متوسط درجات الحرارة في أوروبا بمقدار 2.5 درجة مئوية خلال السنوات الخمس الماضية، أي ضعف المتوسط العالمي.
