فى ظل الحكم العثماني لمصر المتأخر، قدر الأجانب إنهم يحصلوا على ما يطلق عليه “الامتيازات الأجنبية”، الامتيازات اللى منحتهم الحق فى عدم الخضوع للقضاء المصري أبدا، وإنهم يخضعوا لما عرف بـ”القضاء القنصلي”، بحيث لو أجنبي ارتكب جــريـمــة، أو عنده مشكلة مع الحكومة كان بيروح لقنصل بلاده اللى معاه الصفة القضائية، واللى بكل تأكيد بيحكم له.. والحكومة المصرية بتبقى ملتزمة بحكم المحكمة ده..
ومع رحيل محمد علي باشا، وحفيده عباس، وتولي الوالي محمد سعيد حكم مصر، شهدت مصر طفرة رهيبة في استغلال الأجانب لهذه الامتيازات، وأصبحت وسيلة للسرقة الجلية من الحكومة المصرية وسط ضعف الوالي سعيد وعدم قدرته على المقاومة، واضطرته فى نهاية عهده إنه ياخد أول قرض فى تاريخ مصر، فى سلسلة من القروض اللى هتنتهي بإفلاس مصر فى عهد الخديوي اسماعيل..
في الوقت ده كان فيه راجل رغم إنه مش مصري لكنه كان محب حقيقي للبلد دي، هو “نوبار باشا” أول رئيس وزراء لمصر، واللى كان عنده فكرة عبقرية بالوصول لحل وسط لحماية مصر من الامتيازات الأجنبية، وفى نفس الوقت عدم إغضاب الدول الأوروبية القوية على مصر.. وهي “المحاكم المختلطة”، وإنها تكون محكمة فيها قاضي أجنبي وقاضي مصري جنبا لجنب لمحاكمة الأجانب بدل المحاكم القنصلية الكاملة !
وكان هدف نوبار باشا بهذه الخطوة، إنها تكون أول مسمار فى نعش المحاكم الأجنبية، وخطوة على طريق الاستقلال الكامل للقضاء المصري، وكان أول مقر للمحاكم المختلطة فى الموسكي بالقاهرة، وفي الأثناء دي كان بيتم بناء “سراي الحقانية” فى ميدان الإسكندرية لتكون مقرا لهذه المحاكم..
وفعلا تولى المصمم الإيطالي ألفونسو مانيسكالكو بناء هذا المبنى التاريخي، واللى تم افتتاحه سنة 1887، فى عهد الخديوي توفيق، وأصبح مقر للمحاكم المختلطة لغاية ما تم إلغاءها سنة 1949 وتحقيق استقلال القضاء المصري كاملا زي ما توقع نوبار باشا من قبل..
لغاية النهاردة مازال مبنى سراي الحقانية الشهير موجود فى اسكندرية، بيحكي تاريخ القضاء المصري، ومؤخرا هناك خطة لترميمه وإعادة رونقه مرة تانية وده شيء أسعدني جدا بشكل شخصي، وأتمنى أزور هذا المكان الجميل بعد الترميم قريبا إن شاء الله..
مي محمد ✍️✍️✍️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *