تساؤلات عديدة تدور في ذهن بعض الناس حول تعرضهم للعقوبة من عدمه، إذا رأى أحدهم جريمة يعاقب عليها القانون بينما يسير في طريقه ولم يُبلَّغ عنها.. ربما يفيدك التقرير التالي إذا تعرضت لذلك الموقف لاحقا.

وحدد قانون الإجراءات الجنائية كيفية الإبلاغ عن الجريمة، فيما حدد قانون العقوبات حالات خاصة لمعاقبة عدم الإبلاغ عن جرائم معينة حال رؤيتها.

قانون الإبلاغ عن الجريمة

إن قانون الإجراءات الجنائية، نص على أن “كل من علم بوقوع جريمة يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى عنها بغير شكوى أو طلب أن يبلغ النيابة أو أحد مأموري الضبط القضائي

أن المادة 25 من قانون الإجراءات الجنائية، لم تنص على توقيع عقوبة على عدم الإبلاغ عن الجريمة إذا رآها شخص ما، لافتا إلى صعوبة إثبات رؤية شخص لجريمة معينة وبالتالي معاقبته.

حالات خاصة لعقاب المتستر على جريمة

وحدد قانون العقوبات حالتين يعاقب عليهما الشخص إذا لم يسارع بإبلاغ السلطات المختصة سواء النيابة العامة أو الشرطة عند معرفته بوقوعهما، وذلك على النحو الوارد بالمادتين 84 و102 عقوبات.
يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنة وبغرامة لا تتعدى 500 جنيه أو كليهما كل من علم بجريمة ولم يسارع بالإبلاغ عنها وتتعلق بـ”إفشاء أسرار عسكرية والتخابر مع دول أجنبية أو الالتحاق بجيش دولة في حالة حرب مع مصر”، وتضاعف العقوبة في زمن الحرب، ويجوز للمحكمة أن تعفي من العقوبة زوج الجاني وأصوله وفروعه.

يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تزيد على 100 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من علم بوقوع جريمة حيازة مفرقعات، ولم يسارع إلى إبلاغ السلطات المختصة.

هل القانون يجيز لك “الإبلاغ عن جريمة” حال عدم تضررك منها؟

التشريع المصري الحق في التبليغ عن الجرائم ومرتكبيها، كما ينظم الضمانات الكفيلة بعدم انحراف أفراد المجتمع بهذا الحق، واستعماله على نحو كيدي بنية الإضرار بالغير بسوء قصد، وهنا نوضح كيف وازن المشرع بين التبليغ كواجب على كل من اكتشف وقوع جريمة بقصد كشف غموضها، وبين البلاغ الكاذب وشهادة الزور بقصد الإضرار بالغير، وكيف قرر المشرع الضمانات الكفيلة بعدم الانحراف عن هذا الحق.

وللإجابة على تلك الإشكالية –التشريع المصري نظم الحق في التبليغ عن الجرائم حيث أن البلاغ كقاعدة عامة حق وواجب على كل مواطن، فقد نصت المادة “4” من القانون المدني على

أن: من استعمل حقه استعمالا مشروعاً لا يكون مسئولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر، ويكفل قانون الإجراءات الجنائية الحق في التبليغ عن الجرائم ومرتكبيها.

هناك 3 نقاط رئيسة توضح كيف كفل قانون الإجراءات الجنائية الحق في التبليغ عن الجرائم ومرتكبيها حيث ينص على التالى:

1-البلاغ عن الجرائم كحق للمواطن العادي يتقدم به طوعاً لجهات الضبط القضائي أو الشرطة حيث تنص المادة رقم “25” من قانون الإجراءات القانونية على أن: لكل من علم بوقوع جريمة، يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى عنها بغير شكوى أو طلب، أن يبلغ النيابة العامة أو أحد مأمورى الضبط القضائي عنها.

2-البلاغ كواجب على كل موظف عام في حدود وظيفته حيث تنص المادة 26 من قانون الإجراءات الجنائية: يجب على كل من علم من الموظفين العموميين أو المكلفين بخدمة عامة أثناء عمله أو بسبب تأديته بوقوع جريمة من الجرائم يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى عنها بغير شكوى أو طلب أن يبلغ عنها فورا النيابة العامة أو قرب مأمور من مأموري الضبط القضائي.

3-البلاغ كوسيلة لجبر الضرر الواقع على المجني عليه من جراء الجريمة: حيث تنص المادة 27 إجراءات جنائية – لكل من يدعى حصول ضرر له من الجريمة أن يقيم نفسه مدعيا بحقوق مدنية في الشكوى التى يقدمها إلى النيابة العامة، أو أحد مأموري الضبط القضائى.

فى الحالة الأخيرة يقوم المأمور المذكور بتحويل الشكوى إلى النيابة العامة مع المحضر الذي يحرره، وعلى النيابة العامة عند إحالة الدعوى فيها مقدمها بحقوق مدنية تعد من قبيل التبليغات ولا يعتبر الشاكي مدعيا بحقوق مدنية إلا إذا صرح بذلك فى شكواه أو في ورقة مقدمة منه بعد ذلك، أو إذا طلب في أحداهما تعويض ما.

معيار المشروعية في التبليغ:

من المقرر قانوناً في قضاء النقض أن: الأصل أن التبليغ من الحقوق المباحة للأفراد واستعماله لا يدعوا إلى مؤاخذة طالما صدر مطابقاً للحقيقة حتى ولو كان الباعث عليه الانتقام والكيد، لأن صدق المبلغ كفيل أن يرفع عنه تبعة الباعث السيئ، وأن المبلغ لا يسأل مدنياً عن التعويض إلا إذا خالف التبليغ الحقيقة أو كان نتيجة عدم ترو ورعونة، وذلك طبقا للطعن رقم 4 لسنة 45 قضائية.

اعفاء المبلغ عن الجريمة من عقوبات تقنية المعلومات

أعفى قانون الجريمة الالكترونية الصادر برقم 175 لسنة 2018، من العقوبات كل من بادر من الجناة أو الشركاء إلى إبلاغ السلطات القضائية أو السلطات العامة بما يعلمه عنها قبل البدء فى تنفيذ الجريمة وقبل كشفها.

وتنص المادة رقم 41 من القانون على أنه يعفى من العقوبات، المقررة للجرائم المنصوص عليها فى هذا القانون، كل من بادر من الجناة أو الشركاء إلى إبلاغ السلطات القضائية أو السلطات العامة بما يعلمه عنها قبل البدء فى تنفيذ الجريمة وقبل كشفها.

ويجوز للمحكمة الإعفاء من العقوبة أو التخفيف منها إذا حصل البلاغ بعد كشف الجريمة وقبل التصرف فى التحقيق فيها، إذا مكن الجانى أو الشريك فى أثناء التحقيق السلطات المختصة من القبض على مرتكبى الجريمة الآخرين، أو على ضبط الأموال موضوع الجريمة، أو أعان أثناء البحث والتحقيق على كشف الحقيقة فيها، أو على القبض على مرتكبى جريمة أخرى مماثله لهذا النوع والخطورة.

ولا يخل حكم هذه المادة، بوجوب الحكم برد المال المتحصل من الجرائم المنصوص عليها بالقانون.

إبلاغ الجاني عن الجريمة، هل يعفيه من العقاب؟

ليس الهدف من فرض العقاب على من يخالف القانون، هو العقاب بحد ذاته، فالحكمة التي تتجلى من وراء ذلك أكبر بكثير، وتصب في مصلحة كل من المجتمع والجاني معاً، فمن خلال إيقاع العقوبة على المجرم تتحقق العدالة في المجتمع أوّلا، والردع في نفس الجاني ثانيا، وذلك بإيقاع الألمين النفسي والبدني عليه، كما أن الرعاية والإصلاح والتأهيل التي يتلقاها داخل المؤسسات العقابية والإصلاحية تخلق منه شخصاً صالحاً وسوياً، فيخرج إلى المجتمع متخلصاً من خطورته الإجرامية، ولا يشكل -عندئذ- أي خطر على من حوله

والأصل الذي تعارف عليه الجميع، أنه من يرتكب سلوكاً ينتهك به القانون والأنظمة القائمة لا مفر له من العقاب، فهل هنالك حالات تعفي الجاني من العقوبة؟

نعم هنالك حالات استثنائية، يرى فيها المشرع بأن إعفاء الجاني من الجزاء الجنائي، يحقق منفعة كبيرة تعود على المجتمع، أكبر من تلك التي تتحقق بإيقاع العقوبة عليه

ومما يجب تسليط الضوء عليه، هو أن المشرع ضيق هذه الاستثناءات، وأوردها في حالات محدّدة وخاصة جداً، أي لا سلطة للقاضي في إعفاء أي شخص من العقاب، إلا فيما ورد به نص

والحالات التي وردت في قانون العقوبات الاتحادي هي على النحو الآتي:

1-إذا أبلغ الجاني السلطات المختصة عن الجرائم المتعلقة بأمن الدولة داخليا أو خارجيا، قبل البدء في تنفيذها وقبل التحقيق فيها.

2-إذا أبلغ الجاني السلطات المختصة عن مكان الشخص المخطوف، وعن الأشخاص المساهمين معه في الجريمة،وترتب على ذلك إنقاذ المخطوف

3-إذا أبلغ الراشي أو الوسيط السلطات المختصة عن جريمة الرشوة، أو اعترف بها قبل أن تصل الدعوى إلى المحكمة ولو تأملنا قليلاً فيما سبق، سنرى بأن هناك حكمة استشرفها المشرع من وراء هذا الإعفاء، وهي المنفعة الكبيرة التي ستعود على المجتمع، من خلال تقديم مغريات للمجرم ليعدل عن جريمته، تجنباً للأضرار التي ستلحق بالمجتمع إذا استمر في تنفيذها

وفي الحقيقة، من يتأمل هذا الأمر سيجد بأن المنفعة لا تعود على المجتمع فحسب، بل تعود على الجاني -أيضاً-ويحقق منفعة أكبر لمصلحته، كونه يخرج نفسه من دائرة العقاب بمجرد إبلاغه عن الجريمة، ويساعد السلطات المختصّة في التّوصّل إلى باقي الجناة.

إذاً هذه فرصة لكل شخص بدأ في ارتكاب إحدى هذه الجرائم قبل إتمامها أو وصولها للتحقيق، حيث إنّه مخيّر بين أمرين إما أن ينجو من العقاب، ويحمي مجتمعه من الأضرار قبل فوات الأوان، وذلك عن طريق إعلام الجهات المختصة بالجريمة قبل وقوعها، أو أن يستمر في تنفيذ جريمته، ويقع -بعد ذلك- في أيدي السلطات المختصّة، ليلقى جزاءه العادل!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *