تواجه الصناعة الألمانية، عمود الاقتصاد الأوروبي الأول، أزمة غير مسبوقة تهدد بإغلاق مصانع وتسريح آلاف العمال، في وقت يشهد فيه أكبر اقتصاد في القارة العجوز شللاً سياسياً قد يمتد لشهور.

وتتصدر شركة فولكسفاجن، عملاق صناعة السيارات الألماني، المشهد مع إعلانها عن خطط محتملة لإغلاق مصانع على الأراضي الألمانية لأول مرة في تاريخها الممتد لـ87 عاماً، في خطوة تعكس عمق الأزمة التي تعصف بالاقتصاد الألماني.

كشفت صحيفة “بوليتيكو” عن حجم الأزمة التي تواجه صناعة السيارات الألمانية، التي تمثل 11% من إجمالي الوظائف الصناعية في البلاد، اذ ان شركة فولكسفاجن، التي طالما كانت رمزاً للقوة الصناعية الألمانية، تواجه تحديات غير مسبوقة تتمثل في تراجع الأرباح وركود المبيعات في السوق الأوروبية، إضافة إلى انهيار مبيعاتها في السوق الصينية التي تعد الأهم للشركة.

وتفاقمت المشكلة مع تأخر استثمارات الشركة في تكنولوجيا السيارات الكهربائية وارتفاع تكاليفها، مما أدى إلى تراجعها أمام منافسيها، شركة تسلا الأمريكية وBYD الصينية.

كما أن التهديدات المحتملة من الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على الواردات الأوروبية قد تزيد الوضع سوءاً.

موجة تسريح جماعي تضرب القطاع الصناعي

ولا تقتصر الأزمة على فولكسفاجن وحدها، إذ تشهد الصناعة الألمانية موجة تسريح جماعي غير مسبوقة، اذ أعلنت شركة تيسنكروب، عملاق صناعة الصلب، عن خطط لتسريح ما يصل إلى 11 ألف موظف بحلول عام 2030.

وفي قطاع السيارات، أعلنت شركة بوش عن إلغاء 3500 وظيفة، في حين تخطط ZF Friedrichshafen لتسريح 12 ألف موظف بحلول 2030، بينما تدرس شركة كونتيننتال إلغاء 5,500 وظيفة حول العالم.

وتشير هذه الأرقام المقلقة، بحسب “بوليتيكو”، إلى أزمة هيكلية عميقة في الاقتصاد الألماني تتجاوز مجرد التقلبات الدورية المعتادة.

تحركات نقابية وشلل سياسي يفاقمان الأزمة

وفي مواجهة هذه التطورات المقلقة، صعّدت النقابات العمالية من لهجتها، أذ صرح تورستن جروجر، كبير المفاوضين في نقابة “آي جي ميتال”، أكبر نقابة عمالية في ألمانيا، بأن الغضب يتصاعد بين العمال، محذراً من إضرابات تحذيرية قبل 9 ديسمبر، وملوحاً بإمكانية تنظيم حركة احتجاجية واسعة النطاق إذا فشلت المفاوضات مع الإدارة حول خفض التكاليف.

ويتزامن هذا التصعيد النقابي مع أزمة سياسية حادة في البلاد بعد انهيار الائتلاف الحاكم، حيث تشير التقديرات إلى أن تشكيل حكومة جديدة قد يستغرق شهوراً حتى بعد انتخابات 23 فبراير المقبلة.

والأخطر من ذلك أن القيود الدستورية على الإنفاق العام ستحد من قدرة أي حكومة جديدة على التحرك لمعالجة الأزمة.

تداعيات أوروبية وحلول محدودة

وتكتسب الأزمة الألمانية أهمية خاصة نظراً لانعكاساتها المحتملة على الاقتصاد الأوروبي ككل، فبحسب “بوليتيكو”، تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، اضطرابات سياسية مع تهديد مارين لوبان بإسقاط حكومة بارنييه، مما قد يثير مخاوف الأسواق المالية.

وفي مواجهة هذه التحديات، تبدو الحلول المطروحة محدودة، أذ اقترح ستيفان فايل، رئيس وزراء ولاية ساكسونيا السفلى، إعادة الدعم الفيدرالي لشراء السيارات الكهربائية وخلق حوافز ضريبية للمستهلكين، بينما يدعو الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر إلى دعم الصناعات كثيفة الاستهلاك للكهرباء عبر خفض أسعار الطاقة.

لكن روبرت هابيك، وزير الاقتصاد الألماني، يرى أن “التحديات أعمق وأكبر مما اعترفنا به في النقاشات والقرارات السياسية خلال السنوات الماضية”، مشيراً إلى التغيرات الهيكلية العميقة في التجارة العالمية بسبب الحرب في أوكرانيا وتنامي الحمائية التجارية.

وتزداد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعزيز شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، الذي يحتل حالياً المركز الثاني في استطلاعات الرأي.