اتفاق مرتقب بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لتسهيل صادرات الغذاء.. هل تنتهي بعض أعباء ما بعد بريكست؟
توصلت بريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى مسودة اتفاق لتقليل إجراءات فحص وشهادات صادرات الغذاء، في خطوة تستهدف تخفيف أعباء التجارة التي ظهرت بعد خروج بريطانيا من الاتحاد.
تقترب بريطانيا والاتحاد الأوروبي من خطوة تجارية مهمة قد تخفف جانبًا من الأعباء التي واجهت شركات الغذاء والزراعة منذ خروج المملكة المتحدة من التكتل الأوروبي، بعدما توصل الطرفان إلى مسودة اتفاق تستهدف تقليل إجراءات الفحص والشهادات المطلوبة لتصدير عدد من المنتجات الغذائية والزراعية.
وتتضمن المسودة، التي جرى تداولها بين الدول الأعضاء تمهيدًا لمناقشتها، ترتيبات من شأنها إلغاء بعض الشهادات الصحية وشهادات الصحة النباتية ورسوم الفحص على صادرات محددة، بما يسهل انتقال المنتجات بين السوقين. ومن المتوقع أن تكون الخطوة جزءًا من إعادة ضبط العلاقات التجارية بين لندن وبروكسل، على أن تُبحث خلال اجتماع أوروبي تمهيدًا لقمة مرتقبة في 20 نوفمبر 2026.
ولا يعني الاتفاق أن جميع القيود التجارية التي ترتبت على بريكست ستختفي، أو أن تطبيق الترتيبات سيبدأ فورًا؛ إذ ما زالت هناك مراحل تفاوضية وإجرائية، كما تشير المعلومات المتاحة إلى أن التنفيذ لن يكون متوقعًا قبل عام 2028.
ما الذي يتضمنه الاتفاق؟
تركز المسودة على تسهيل تجارة المنتجات الغذائية والزراعية من خلال تقليل المتطلبات الورقية والإجراءات الصحية التي أصبحت جزءًا من حركة التصدير بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ومن بين التغييرات المطروحة إلغاء بعض شهادات الصحة الخاصة بالصادرات، ومنها شهادات صحية تبلغ رسومها نحو 200 جنيه إسترليني في بعض الحالات، وشهادات للصحة النباتية تصل رسومها إلى نحو 25 جنيهًا، إلى جانب تخفيف بعض رسوم الفحص.
كما قد يسمح الاتفاق باستئناف تصدير منتجات معينة إلى الاتحاد الأوروبي وفق ترتيبات أكثر سهولة، من بينها بعض منتجات اللحوم المصنعة والمحار والبطاطس المستخدمة في الزراعة، مع خضوع التفاصيل النهائية لما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن الشركات الصغيرة والمتوسطة قد تكون الأكثر استفادة من تقليل التكاليف الإدارية، لأنها لا تمتلك دائمًا الموارد اللازمة للتعامل مع الإجراءات المعقدة أو تعيين فرق متخصصة لمتابعة متطلبات التصدير.
كيف أثرت إجراءات ما بعد بريكست في التجارة؟
أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى تغيير طبيعة العلاقة التجارية بين الطرفين، إذ أصبحت حركة عدد من السلع تخضع لإجراءات إضافية تتعلق بالفحص والتوثيق والمعايير الصحية.
وبالنسبة إلى الشركات التي تصدر منتجات سريعة التلف، مثل اللحوم والأسماك وبعض المنتجات الزراعية، يمكن أن تؤدي الإجراءات الإضافية إلى زيادة الوقت والتكلفة، كما قد ترفع مخاطر تأخر الشحنات أو تلف المنتجات.
وتشير تقديرات واردة في التغطية الصحفية إلى أن حجم صادرات الغذاء البريطانية إلى الاتحاد الأوروبي تراجع مقارنة بمستوياته السابقة على بريكست، وإن كان قياس أثر الإجراءات وحدها يحتاج إلى مراعاة عوامل أخرى مثل الأسعار والطلب وتغيرات سلاسل التوريد.
ما المكاسب الاقتصادية المحتملة؟
تقول الحكومة البريطانية إن الاتفاق قد يحقق منافع اقتصادية كبيرة على المدى الطويل، مع تقديرات رسمية ببلوغ المكاسب السنوية نحو 5.1 مليار جنيه إسترليني عند اكتمال ترتيبات إعادة ضبط العلاقة التجارية.
لكن هذه التقديرات لا تعني أن هذا المبلغ سيظهر فورًا في الاقتصاد، أو أنه يمثل عائدًا مضمونًا لكل الشركات. فالأثر الفعلي يتوقف على نطاق المنتجات المشمولة، وتوقيت التنفيذ، ومدى استفادة المصدرين من تقليل الإجراءات، واستجابة الأسواق للمنتجات البريطانية.
ومن المتوقع أن تستفيد الشركات التي تعتمد بصورة كبيرة على السوق الأوروبية، خصوصًا في قطاعات الغذاء والزراعة، من انخفاض التكاليف الإدارية وتحسن القدرة على التخطيط للشحنات.
لماذا لا يبدأ التنفيذ فورًا؟
تحتاج الاتفاقات التجارية والصحية إلى مراجعة فنية وقانونية، لأن تخفيف الفحوص لا يعني إلغاء المعايير المتعلقة بسلامة الغذاء أو حماية الصحة العامة.
ويتطلب الأمر توافقًا بشأن قواعد الرقابة والاعتراف المتبادل بالمعايير، وآليات تبادل المعلومات، وكيفية التعامل مع المنتجات التي لا تلتزم بالاشتراطات. كما تحتاج الشركات إلى فترة انتقالية لتعديل أنظمة التوثيق والإنتاج والتصدير.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن التنفيذ لن يكون متوقعًا قبل 2028، ما يعني أن الشركات ستواصل خلال الفترة الانتقالية التعامل مع الإجراءات القائمة إلى حين دخول الترتيبات الجديدة حيز التطبيق.
هل يمثل الاتفاق تحولًا في علاقة بريطانيا بأوروبا؟
يأتي الاتفاق ضمن مسار أوسع تسعى من خلاله لندن وبروكسل إلى تقليل الاحتكاكات التجارية بعد سنوات من الخلافات التي أعقبت الاستفتاء على بريكست.
ولا يعني ذلك أن بريطانيا تتجه إلى العودة للاتحاد الأوروبي أو التراجع عن قرار الخروج، بل يعكس رغبة الطرفين في معالجة بعض المشكلات العملية التي أثرت في حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
كما أن نجاح الاتفاق قد يشجع على التفاوض بشأن ملفات أخرى، مثل التعاون في الطاقة والبحث العلمي والأمن والتنقل، مع بقاء الخلافات السياسية والقانونية التي صاحبت خروج بريطانيا قائمة في بعض المجالات.
ما الذي يجب مراقبته؟
ستكون الخطوة التالية مرتبطة بموقف الدول الأعضاء من المسودة، ومدى التوافق على التفاصيل الفنية، ثم نتائج القمة المرتقبة بين الطرفين.
كما ينبغي متابعة المنتجات التي ستشملها الترتيبات النهائية، والرسوم التي سيتم إلغاؤها، والجدول الزمني للتنفيذ، حتى لا تتحول التوقعات الاقتصادية إلى أرقام متداولة دون سند نهائي.
وبالنسبة إلى الشركات البريطانية والأوروبية، فإن القيمة الحقيقية للاتفاق ستظهر عندما تصبح الإجراءات الجديدة قابلة للتطبيق، وتنعكس في تقليل زمن الشحن وتكاليف التصدير وتحسين قدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق.



