توعية قانونية مجانية · استشارات مع محامين متخصصين 01151760099واتسابيوتيوب

المسؤولية القانونية عن إفشاء الأسرار المهنية في القانون المصري

مي محمد 2 نوفمبر 2026 قراءة ٥ دقيقة
المسؤولية القانونية عن إفشاء الأسرار المهنية في القانون المصري

المسؤولية القانونية عن إفشاء الأسرار المهنية في القانون المصري

تعرف على المسؤولية القانونية عن إفشاء الأسرار المهنية في مصر، والفرق بين الخطأ الوظيفي والجريمة، وحالات المساءلة والعقوبات وفقًا للقانون.

مقدمة

تُعد السرية المهنية من القواعد الأساسية التي تقوم عليها علاقات العمل والثقة بين الأفراد والمؤسسات، إذ يطلع بعض العاملين بحكم طبيعة وظائفهم على معلومات لا يجوز تداولها خارج نطاق العمل، سواء تعلقت ببيانات العملاء أو الملفات المالية أو الخطط التجارية أو المعلومات الشخصية. ولا تقتصر أهمية هذه السرية على حماية مصالح المؤسسات، بل تمتد إلى حماية حقوق الأشخاص الذين يضعون بياناتهم وأسرارهم في عهدة أصحاب المهن المختلفة.

وفي مصر، لا يُنظر إلى إفشاء الأسرار المهنية باعتباره مجرد تصرف غير منضبط في جميع الحالات، فقد تترتب عليه مسؤولية تأديبية أو مدنية، وقد يصل الأمر إلى المسؤولية الجنائية إذا توافرت الشروط التي حددها القانون. ويختلف التكييف القانوني بحسب طبيعة المهنة، وصفة الشخص الذي أفشى المعلومات، ونوع السر الذي جرى الكشف عنه، والظروف التي أحاطت بالواقعة.

ما المقصود بالسر المهني؟

السر المهني هو كل معلومة يحصل عليها الشخص بسبب ممارسته مهنة أو أداء وظيفة، ويكون من المفترض الاحتفاظ بها وعدم إتاحتها للغير دون سند قانوني أو موافقة صحيحة من صاحب الشأن.

ولا يشترط أن تكون المعلومة مكتوبة في مستند رسمي حتى تتمتع بالحماية، فقد تكون بيانات شفهية أو مراسلات إلكترونية أو تقارير أو تفاصيل شخصية أو معلومات مالية وتجارية. كما أن وصف المعلومة بأنها سرية لا يتوقف فقط على وضع علامة «سري» عليها، بل يرتبط بطبيعتها والظروف التي وصلت فيها إلى الموظف أو صاحب المهنة.

ومن أمثلة ذلك المعلومات التي يحصل عليها الطبيب عن الحالة الصحية للمريض، والبيانات التي يطلع عليها المحامي أثناء توليه قضية، والمعلومات المصرفية الخاصة بالعملاء، والملفات التي يحتفظ بها العاملون في المؤسسات بشأن المتعاملين معها.

متى تنشأ المسؤولية القانونية عن إفشاء الأسرار؟

لا يؤدي كل تداول لمعلومة داخل بيئة العمل تلقائيًا إلى قيام جريمة، وإنما يجب النظر إلى مجموعة من العناصر، من بينها طبيعة المعلومات، ومدى سريتها، والالتزام القانوني أو المهني المفروض على الشخص، وما إذا كان الإفشاء قد تم دون مبرر مشروع.

وقد تنشأ المسؤولية عندما ينقل الموظف بيانات العملاء إلى جهة خارجية دون تصريح، أو ينشر مستندات داخلية على مواقع التواصل الاجتماعي، أو يستخدم معلومات حصل عليها بحكم وظيفته لتحقيق مصلحة شخصية أو الإضرار بشخص آخر.

كذلك قد تتحقق المخالفة إذا سمح الموظف لغير المصرح لهم بالاطلاع على ملفات سرية نتيجة الإهمال الجسيم في حفظها، حتى لو لم يكن هدفه الأساسي تحقيق منفعة أو إلحاق الضرر. غير أن تحديد المسؤولية في هذه الحالة يتطلب فحص طبيعة الواجب المهني ومدى توافر الخطأ والضرر وعلاقة السببية.

السرية المهنية في بعض المهن

تختلف قواعد السرية بحسب طبيعة النشاط، فهناك مهن تحكمها التزامات خاصة إلى جانب القواعد العامة.

المهن الطبية: يلتزم العاملون في المجال الطبي بالمحافظة على سرية المعلومات التي يحصلون عليها عن المرضى، ولا يجوز نشر تفاصيل الحالة أو الصور أو التقارير دون مسوغ قانوني أو موافقة معتبرة، مع مراعاة الاستثناءات التي يقررها القانون والضرورات المرتبطة بالصحة العامة.

مهنة المحاماة: ترتبط علاقة المحامي بموكله بقدر كبير من الثقة، ولذلك تفرض القواعد المهنية المحافظة على أسرار الموكل والمعلومات التي تصل إلى المحامي بسبب ممارسة المهنة، مع مراعاة الأحكام القانونية المنظمة للحالات الاستثنائية.

القطاع المصرفي: تتمتع بيانات العملاء وحساباتهم ومعاملاتهم بحماية قانونية خاصة، ولا يجوز التعامل معها خارج الأطر المسموح بها قانونًا، سواء كان الإفشاء إلى أفراد أو مؤسسات أو جهات أخرى.

العاملون بالشركات: قد تتضمن الملفات الداخلية معلومات تجارية أو فنية أو مالية لا يجوز نشرها أو استغلالها خارج الغرض الوظيفي، خصوصًا إذا ترتب على الإفشاء الإضرار بالمؤسسة أو المتعاملين معها.

هل كل إفشاء للسر المهني يُعد جريمة؟

من المهم التمييز بين المخالفة المهنية والجريمة الجنائية. فقد يكون التصرف مخالفًا للائحة العمل أو قواعد المهنة دون أن تتوافر فيه أركان جريمة محددة. وفي المقابل، قد يشكل الإفشاء جريمة إذا انطبق على نص عقابي يجرّم الواقعة وتوافرت عناصره.

ويتضمن قانون العقوبات المصري أحكامًا تتعلق بإفشاء الأسرار في حالات وصفات معينة، ومن بينها الأحكام المرتبطة بالأسرار التي يطلع عليها بعض أصحاب الوظائف أو المهن بسبب عملهم. كما توجد تشريعات خاصة تنظم سرية أنواع محددة من البيانات والمعلومات.

لذلك لا يصح القول إن كل موظف يفصح عن معلومة داخلية يواجه العقوبة الجنائية نفسها، إذ يتعين تحديد النص القانوني المنطبق على الواقعة، وصفة مرتكبها، وطبيعة المعلومات، وما إذا كان الإفشاء قد وقع عمدًا أو في ظروف أخرى يعالجها القانون بصورة مختلفة.

التعويض عن الأضرار الناتجة عن إفشاء الأسرار

قد يترتب على إفشاء المعلومات ضرر مادي أو أدبي، مثل خسارة عميل أو كشف بيانات شخصية أو الإضرار بالسمعة أو إتاحة معلومات تجارية لمنافسين. وفي هذه الحالات، يمكن أن تُثار المسؤولية المدنية متى توافرت شروطها، وفي مقدمتها الخطأ والضرر وعلاقة السببية.

ويختلف تقدير التعويض من واقعة إلى أخرى؛ فالمحكمة تنظر إلى طبيعة المعلومات التي جرى كشفها، ومدى انتشارها، وحجم الضرر الذي ثبت وقوعه، والظروف المرتبطة بالتصرف. ولا يكفي مجرد الادعاء بحدوث ضرر للحصول على التعويض، بل يجب تقديم ما يدعم المطالبة وفقًا لقواعد الإثبات.

كيف تحمي المؤسسات المعلومات السرية؟

تبدأ الحماية الفعالة من وضع سياسات واضحة لتصنيف المعلومات وتحديد الأشخاص المصرح لهم بالاطلاع عليها، مع استخدام أنظمة تقنية تمنع الوصول غير المصرح به، وتسجيل عمليات الاطلاع والتعديل والمشاركة.

ومن الضروري أيضًا تدريب العاملين على التعامل مع الملفات والمراسلات الإلكترونية، وتوضيح حدود استخدام البيانات خارج بيئة العمل، وتحديد إجراءات الإبلاغ عن أي تسريب محتمل. كما ينبغي أن تكون اتفاقيات السرية واضحة ومحددة، وألا تتعارض مع الحقوق القانونية للعاملين أو مع الالتزامات التي يفرضها القانون.

خاتمة

إفشاء الأسرار المهنية قد يتجاوز حدود الخطأ الإداري ليصبح سببًا للمساءلة المدنية أو الجنائية، بحسب طبيعة الواقعة والنصوص القانونية التي تنطبق عليها. وتظل حماية المعلومات مسؤولية مشتركة بين أصحاب المهن والمؤسسات التي يعملون بها، من خلال الالتزام بالقواعد المهنية وتطبيق إجراءات واضحة تمنع تسريب البيانات أو استغلالها خارج الأغراض المشروعة.

عندك موضوع شبه ده؟احجز استشارة مع محامٍ متخصص، حضوري أو أونلاين.
احجز استشارة ←