مصر تتولى رئاسة جمعية الأكاديمية الدولية لمكافحة الفساد.. ما أهمية الخطوة؟
حصلت مصر على رئاسة الدورة الخامسة عشرة لجمعية الأكاديمية الدولية لمكافحة الفساد لمدة عام، في خطوة تعكس حضورها داخل إحدى المؤسسات الدولية المعنية بتعزيز النزاهة ومواجهة الفساد وتطوير القدرات المؤسسية في هذا المجال. ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه أهمية التعاون الدولي لمواجهة الجرائم المالية والإدارية، التي لم تعد آثارها محصورة داخل حدود دولة واحدة، بل أصبحت ترتبط في كثير من الحالات بحركة الأموال والاستثمارات والتجارة العابرة للحدود.
وأُعلن انتخاب مصر لرئاسة الدورة الجديدة يوم 30 أكتوبر 2026، وفق ما نشرته وسائل إعلام مصرية. وتكتسب رئاسة الجمعية أهمية مؤسسية، لأنها تتيح للدولة المشاركة في إدارة أعمال الهيئة وتوجيه النقاشات المرتبطة ببرامجها وأولوياتها، فضلًا عن تعزيز التواصل مع الدول الأعضاء والجهات المعنية بمكافحة الفساد.
ما الأكاديمية الدولية لمكافحة الفساد؟
الأكاديمية الدولية لمكافحة الفساد مؤسسة دولية متخصصة في التدريب والتعليم والبحث العلمي وبناء القدرات المرتبطة بمكافحة الفساد. وتهدف إلى دعم المعرفة المتخصصة وتطوير مهارات العاملين في المؤسسات العامة والهيئات الرقابية والجهات المعنية بتطبيق القانون، إلى جانب تشجيع التعاون بين الدول والخبراء في هذا المجال.
وتختلف طبيعة عمل الأكاديمية عن أجهزة التحقيق أو سلطات إنفاذ القانون الوطنية؛ فهي ليست جهة تحل محل النيابات أو المحاكم أو أجهزة الرقابة في الدول، وإنما تركز على الجوانب التعليمية والتدريبية والبحثية، وتوفير الخبرات التي تساعد المؤسسات على تحسين سياساتها وإجراءاتها.
وتنبع أهمية هذا الدور من أن مكافحة الفساد لا تعتمد فقط على توقيع العقوبات بعد وقوع المخالفة، بل تحتاج كذلك إلى بناء أنظمة تمنع تضارب المصالح، وتعزز الشفافية، وتحد من فرص إساءة استخدام السلطة أو الموارد العامة.
ما المقصود بجمعية الأكاديمية؟
تمثل الجمعية الإطار الذي تشارك من خلاله الدول الأعضاء في مناقشة القضايا المؤسسية المرتبطة بالأكاديمية، ومتابعة أعمالها وتوجهاتها العامة وفق القواعد المنظمة لها. ومن ثم، فإن تولي دولة رئاسة إحدى دوراتها يمنحها دورًا في إدارة الاجتماعات ومتابعة النقاشات وتيسير الحوار بين المشاركين.
ولا يعني انتخاب مصر لرئاسة الجمعية أنها أصبحت صاحبة سلطة منفردة على قرارات جميع الدول أو أنها تتولى إدارة أجهزة مكافحة الفساد في الدول الأخرى. فالمؤسسات الدولية تعمل وفق قواعدها واختصاصاتها، وتظل القرارات مرتبطة بالأطر المعتمدة والمشاركة المؤسسية للأعضاء.
لماذا تزداد أهمية التعاون الدولي في مكافحة الفساد؟
تتجاوز بعض صور الفساد الحدود الوطنية، خاصة عندما تتضمن تحويلات مالية دولية أو شركات متعددة الجنسيات أو تعاملات تجارية معقدة أو أصولًا موجودة في أكثر من دولة. وقد تحتاج التحقيقات في مثل هذه الحالات إلى تبادل المعلومات والتعاون القانوني بين سلطات مختلفة، مع احترام القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
كما أن تطور الخدمات الرقمية والمعاملات المالية الإلكترونية أوجد تحديات جديدة أمام الجهات الرقابية، من بينها تتبع التدفقات المالية غير المشروعة، والتحقق من هوية الأطراف المستفيدة، ورصد التعاملات غير المعتادة. وتحتاج مواجهة هذه التحديات إلى كوادر مؤهلة قادرة على فهم الأنظمة المالية والتقنية والقانونية.
وتلعب المؤسسات التعليمية المتخصصة دورًا في إعداد هذه الكوادر، من خلال برامج تدريبية تجمع بين الجوانب القانونية والإدارية والمالية، وتتيح تبادل الخبرات بين الدول التي تواجه تحديات متشابهة.
ما الملفات التي يمكن أن تستفيد منها مصر؟
يمكن أن تتيح رئاسة الجمعية فرصة لطرح قضايا تتصل بتطوير التدريب المتخصص، وتبادل الخبرات في الوقاية من الفساد، وتعزيز النزاهة في المؤسسات العامة، وتطوير أدوات البحث العلمي. كما يمكن أن تفتح المجال أمام توسيع مشاركة الخبراء المصريين في البرامج الدولية، والاستفادة من التجارب المقارنة في بناء نظم رقابية أكثر كفاءة.
ومن الملفات المهمة كذلك تعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة، ورفع كفاءة نظم المشتريات والتعاقدات، وتطوير آليات الإبلاغ عن المخالفات وحماية المبلغين وفق القوانين الوطنية. ولا يقتصر الأمر على وجود قواعد مكتوبة، بل يتطلب تطبيقًا مؤسسيًا يضمن وضوح الإجراءات وإمكانية مراجعتها ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت المخالفات.
هل تعني الرئاسة تحقيق نتائج فورية؟
لا يمكن اعتبار انتخاب مصر لرئاسة الجمعية دليلًا بذاته على تحقق نتائج مباشرة في مؤشرات مكافحة الفساد، لأن تقييم الأداء يرتبط بمجموعة واسعة من العوامل، من بينها كفاءة المؤسسات الوطنية، وفاعلية إنفاذ القانون، وشفافية الإجراءات، واستقلال آليات الرقابة، ومدى تطبيق القواعد على أرض الواقع.
لكن الرئاسة تمنح مصر فرصة للمشاركة في النقاش الدولي وتبادل الخبرات، كما تتيح لها إبراز أولوياتها في مجالات بناء القدرات والتعاون المؤسسي. وتظل قيمة هذه الخطوة مرتبطة بما ينتج عنها من برامج عملية ومبادرات قابلة للتقييم، وليس بمجرد شغل منصب قيادي لمدة محددة.



