روسيا وأوكرانيا تقتربان من جولة محادثات جديدة بوساطة أمريكية.. خلافات الأراضي والضمانات تعرقل التسوية
تحركات دبلوماسية جديدة وسط استمرار القتال
أشارت روسيا وأوكرانيا إلى استعدادهما لاستئناف محادثات سلام بوساطة أمريكية، مع تداول احتمال عقد جولة جديدة في أبوظبي خلال منتصف نوفمبر 2026، وفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس نشر في 25 أكتوبر. وتأتي هذه المؤشرات بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من الحرب، وفي وقت تستمر فيه الضربات العسكرية والخلافات بشأن الأراضي والضمانات الأمنية وشروط وقف إطلاق النار.
وتشير التطورات إلى وجود رغبة في اختبار مسار تفاوضي جديد، لكنها لا تعني أن اتفاقًا شاملًا بات قريبًا. فما زالت مواقف موسكو وكييف متباعدة بشأن مستقبل المناطق التي تسيطر عليها روسيا، وشكل الترتيبات الأمنية التي يمكن أن تمنع تجدد الحرب، وطبيعة الالتزامات التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
كما أن استمرار الهجمات يضعف الثقة بين الأطراف، ويجعل أي تقدم دبلوماسي عرضة للتأثر بالوقائع الميدانية. ولذلك فإن الحديث عن استئناف المفاوضات يجب أن يُفهم بوصفه تطورًا سياسيًا مهمًا، لا إعلانًا عن قرب انتهاء الحرب.
ما الذي يدفع الطرفين إلى العودة للمفاوضات؟
تفرض الحرب أعباء عسكرية واقتصادية وإنسانية مستمرة على الطرفين، فيما تتواصل الهجمات على المدن والبنية التحتية. وتدفع هذه الأعباء الأطراف إلى البحث عن فرص لتقليل الخسائر، حتى مع استمرار الخلافات بشأن الشروط النهائية للتسوية.
وتؤدي الولايات المتحدة دور الوسيط في محاولة تقريب المواقف، لكن قدرة الوساطة على تحقيق نتائج تعتمد على مدى استعداد موسكو وكييف لتقديم تنازلات أو قبول ترتيبات مرحلية. وقد تركز المحادثات الأولية على ملفات محددة، مثل التهدئة المحلية أو تبادل الأسرى أو حماية منشآت مدنية، قبل الانتقال إلى القضايا الأكثر تعقيدًا.
ولا يعني الاتفاق على إجراء محادثات أن الطرفين وافقا على جدول أعمال نهائي أو شروط مشتركة. فالمفاوضات قد تبدأ في ظل اختلافات واسعة، ويكون الهدف الأول منها تحديد ما يمكن مناقشته وما إذا كانت هناك مساحة لبناء تفاهمات جزئية.
الخلاف على الأراضي يمثل العقبة الأكبر
تطالب روسيا بالاعتراف بسيطرتها على شبه جزيرة القرم وأربع مناطق أوكرانية أعلنت ضمها في عام 2022، وهي مطالب ترفضها كييف باعتبارها تنازلًا عن أراضٍ أوكرانية. ويعد هذا الخلاف من أكثر الملفات تعقيدًا، لأنه يرتبط بالسيادة والحدود والحقوق السياسية للسكان ومستقبل الأمن في المنطقة.
وتشير التغطية إلى أن كييف تميل إلى مناقشة تجميد خطوط المواجهة الحالية كأساس محتمل لبدء تسوية أوسع، بينما لا تقبل موسكو وقفًا لإطلاق النار منفصلًا عن شروطها. ويعكس ذلك اختلافًا في ترتيب الأولويات: فكل طرف يريد ضمان ألا يؤدي وقف القتال إلى تثبيت وضع لا يخدم أهدافه الاستراتيجية.
كما أن أي اتفاق بشأن الأراضي سيواجه أسئلة قانونية وسياسية واسعة، بما في ذلك كيفية التعامل مع السكان في المناطق المتنازع عليها، ومستقبل الإدارة المحلية، وحقوق الأشخاص الذين نزحوا بسبب الحرب. ولا يمكن حسم هذه المسائل بمجرد إعلان وقف إطلاق النار، بل تحتاج إلى ترتيبات مفصلة وآليات متابعة.
الضمانات الأمنية لأوكرانيا
تؤكد أوكرانيا حاجتها إلى ضمانات أمنية قوية تمنع روسيا من شن هجوم جديد بعد أي اتفاق. وقد طرحت كييف خيارات تشمل دعمًا غربيًا طويل الأمد أو ترتيبات أمنية تشبه في بعض جوانبها التزامات الدفاع المشترك، بينما لا تزال عضوية حلف شمال الأطلسي من القضايا الخلافية.
وبحسب التقرير، استبعدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الوقت الراهن منح أوكرانيا عضوية الناتو، وهو موقف يؤثر في طبيعة الخيارات المتاحة للمفاوضين. ويعني ذلك أن أي ضمانات بديلة تحتاج إلى تحديد طبيعة الالتزامات، والجهات التي ستقدمها، وكيفية التعامل مع أي خرق محتمل للاتفاق.
وتكمن أهمية الضمانات في أنها لا تتعلق فقط بإنهاء القتال الحالي، بل ببناء تصور لما سيحدث إذا تجدد التهديد العسكري. فإذا اعتقد أحد الطرفين أن الاتفاق لا يوفر حماية كافية، فقد يتردد في قبوله حتى لو أدى إلى وقف مؤقت للمعارك.
هدنة إنسانية محدودة في خيرسون
من التطورات المرتبطة بالمسار الدبلوماسي التوصل إلى تفاهم بشأن وقف محلي لإطلاق النار يسمح بإيصال مساعدات إلى بلدة عالقة في منطقة خيرسون الجنوبية. وجاء ذلك بعد اتصالات إنسانية شاركت فيها السيدة الأمريكية الأولى ميلانيا ترامب، وفق ما أوردته أسوشيتد برس.
وتظهر هذه المبادرة أن الاتفاقات المحدودة قد تكون ممكنة حتى عندما تتعثر المفاوضات السياسية الكبرى. فالهدنة المحلية يمكن أن تتيح وصول المساعدات أو تسهيل إجلاء المدنيين أو معالجة احتياجات عاجلة، لكنها لا تعني تلقائيًا وجود اتفاق أوسع بين الطرفين.
وتحتاج الترتيبات الإنسانية إلى تحديد مناطقها ومدتها والجهات المسؤولة عن تنفيذها، إلى جانب آليات التحقق من الالتزام بها. وقد تتعرض مثل هذه التفاهمات للاختبار إذا استمرت العمليات العسكرية في مناطق قريبة أو حدثت خلافات بشأن شروط التنفيذ.
استمرار الهجمات يختبر فرص التسوية
تزامنت الإشارات إلى استئناف المحادثات مع تقارير عن ضربات روسية بطائرات مسيرة وصواريخ على مدن أوكرانية، فضلًا عن هجمات أوكرانية بعيدة المدى على أهداف داخل روسيا. ويعكس ذلك استمرار الحرب رغم التحركات الدبلوماسية، كما يوضح أن الأطراف تحاول تحسين مواقعها الميدانية بالتوازي مع بحث احتمالات التفاوض.
ويؤثر استمرار الهجمات في الرأي العام والثقة المتبادلة، إذ قد يصعب على الحكومات تبرير التنازلات عندما يشعر السكان بأنهم ما زالوا معرضين للخطر. كما أن الضربات التي تلحق أضرارًا بالمنازل والبنية التحتية تزيد الاحتياجات الإنسانية وتفرض تكاليف إضافية على إعادة الإعمار.
ومع ذلك، فإن استمرار القتال لا يمنع بالضرورة إجراء مفاوضات؛ إذ شهدت نزاعات عديدة مسارات دبلوماسية بالتوازي مع العمليات العسكرية. لكن الوصول إلى نتيجة يتطلب تفاهمًا بشأن آليات التهدئة والتزامات قابلة للتحقق، لا مجرد إعلان الرغبة في الحوار.
ما المتوقع من جولة أبوظبي المحتملة؟
إذا عُقدت الجولة المقترحة في منتصف نوفمبر، فسيكون من المهم معرفة مستوى التمثيل وطبيعة جدول الأعمال وما إذا كانت المحادثات ستتناول وقفًا شاملًا لإطلاق النار أو ملفات محددة. كما سيحدد موقف واشنطن من الضمانات الأمنية والضغط على الأطراف جانبًا من فرص التقدم.
وقد تكون النتائج الأولية محدودة، مثل الاتفاق على مواصلة الاتصالات أو تشكيل فرق فنية أو توسيع التفاهمات الإنسانية. ولا ينبغي اعتبار هذه الخطوات فشلًا بالضرورة، لكنها لا تساوي تسوية سياسية شاملة ما لم تُترجم إلى التزامات واضحة.
الخلاصة: يفتح احتمال استئناف محادثات روسيا وأوكرانيا نافذة دبلوماسية جديدة، لكن خلافات الأراضي والضمانات الأمنية وشروط وقف إطلاق النار ما زالت عميقة. وستتوقف فرص التقدم على استعداد الطرفين للتوصل إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، وعلى قدرة الوسطاء على تحويل الاتصالات السياسية إلى خطوات عملية تخفف القتال وتحمي المدنيين.



