زلزال 1992 في مصر.. دقائق هزّت القاهرة وكشفت هشاشة آلاف المباني
في ظهر يوم 12 أكتوبر 1992، شعر سكان القاهرة ومناطق واسعة من شمال مصر بهزة أرضية قوية استمرت ثواني، لكنها كانت كافية لإثارة الذعر في الشوارع والمنازل والمدارس. خرج أشخاص إلى الطرق، وهرع آخرون إلى السلالم، بينما تضررت مبانٍ وسقطت أجزاء من منشآت قديمة، وبدأت عمليات حصر الضحايا والخسائر في واحدة من أبرز الكوارث الطبيعية التي شهدتها مصر في العصر الحديث.
بلغت قوة الزلزال نحو 5.9 درجة وفق تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، وكان مركزه قرب قرية دهشور، على مسافة تقارب 18 كيلومترًا جنوب القاهرة. ورغم أن قوته لم تكن استثنائية بمقاييس الزلازل العالمية، فإن تأثيره كان كبيرًا بسبب الكثافة السكانية وطبيعة بعض المباني ومستوى مقاومتها للاهتزازات.
هزة مفاجئة في قلب الحياة اليومية
وقع الزلزال في وقت كان فيه الناس يمارسون أنشطتهم المعتادة. لم تكن هناك فرصة للاستعداد المسبق للهزة، ولذلك كان رد الفعل الأول لدى كثيرين هو محاولة الخروج من المباني أو البحث عن مكان أكثر أمانًا.
في المناطق السكنية المزدحمة، ازدادت صعوبة التعامل مع الموقف بسبب تدافع السكان على السلالم والمخارج. كما أن سقوط أجزاء من بعض المباني تسبب في إصابات وخسائر، فيما واجهت فرق الطوارئ تحديًا في الوصول إلى المواقع المتضررة وتقييم سلامة المنشآت.
لم تقتصر آثار الهزة على المباني القديمة أو غير المخططة، فقد أظهرت تقارير فنية لاحقة أن أضرارًا لحقت بمبانٍ مختلفة، وأن طبيعة التربة وخصائص البناء وجودة التنفيذ لعبت أدوارًا مهمة في تحديد حجم الضرر.
أين كان مركز الزلزال؟
وقع مركز الزلزال قرب دهشور، جنوب القاهرة، ووصلت الاهتزازات إلى العاصمة والمناطق المحيطة بها. وقدرت الدراسات عمق بؤرته بنحو 25 كيلومترًا، وهو ما ساعد على تفسير امتداد الإحساس بالهزة إلى مناطق مأهولة على نطاق واسع.
ولا تعتمد خطورة الزلزال على رقمه فقط؛ فالأثر الفعلي يتأثر بعمق البؤرة، وبعد المناطق السكنية عنها، وطبيعة الأرض، وجودة تصميم المباني وتنفيذها. ولهذا يمكن لهزة متوسطة نسبيًا أن تتسبب في خسائر كبيرة إذا وقعت قرب منطقة كثيفة السكان تضم منشآت ضعيفة المقاومة.
قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية قوة زلزال 12 أكتوبر 1992 بنحو 5.9 درجة، وأشارت إلى أن الكارثة تسببت في أكثر من 500 وفاة ونحو 6500 إصابة، فضلًا عن تضرر أو تدمير قرابة 8300 مبنى.
حصيلة بشرية ومادية ثقيلة
أشارت التقديرات التي أوردتها الدراسات إلى وفاة أكثر من 500 شخص وإصابة آلاف آخرين. كما تضرر عدد كبير من المباني، وتعرضت منشآت سكنية لأضرار تفاوتت بين التشققات الجزئية والانهيار، ما أجبر السكان على مغادرة بعض المنازل أو انتظار تقييم سلامتها.
وكانت الخسائر أكبر في المباني التي لم تُصمم أو تُنفذ بما يتناسب مع متطلبات مقاومة الزلازل. فقد أظهرت الدراسات أن ضعف مواد البناء، وسوء تفاصيل التسليح، وزيادة الأحمال على الأعمدة، ورداءة التنفيذ أو مشكلات الأساسات، ساهمت في زيادة الأضرار في عدد من المنشآت.
أما المباني التقليدية المصنوعة من الطوب اللبن في بعض المناطق، فقد كانت أكثر عرضة للتلف بسبب طبيعة موادها الإنشائية. وتوضح هذه النقطة أن آثار الكوارث الطبيعية لا تتوزع بالتساوي؛ إذ تتأثر بمدى قدرة المباني على مقاومة القوى التي تتعرض لها.
لماذا تضررت بعض المباني أكثر من غيرها؟
لا يعني وقوع زلزال أن جميع المباني في المنطقة ستتعرض للضرر نفسه. فالمبنى المصمم وفق قواعد هندسية مناسبة، والمنفذ بمواد جيدة، قد يتحمل الاهتزازات بصورة أفضل من مبنى آخر يعاني ضعفًا في الأعمدة أو الأساسات أو الوصلات الإنشائية.
وفي زلزال 1992، ربطت الدراسات الفنية جانبًا من الأضرار بمشكلات في جودة مواد البناء والتفاصيل الإنشائية، إلى جانب ضعف بعض المباني التقليدية. وهذا لا يعني أن عاملًا واحدًا يفسر جميع حالات الانهيار، بل إن كل مبنى يتأثر بخصائصه وموقعه وحالته وقت وقوع الهزة.
كما أظهرت الكارثة أهمية الالتزام بالقواعد الهندسية عند تشييد المباني، ومراجعة المنشآت القديمة، وعدم إجراء تعديلات تزيد الأحمال على الأعمدة أو تضعف العناصر الحاملة من دون تقييم متخصص.
ما الذي تغير بعد الزلزال؟
أعاد زلزال 1992 الاهتمام بمخاطر الزلازل في مصر، وبأهمية رفع الوعي العام بكيفية التصرف أثناء الهزات الأرضية. كما سلط الضوء على الحاجة إلى تحسين معايير البناء والرقابة على التنفيذ، وفحص المنشآت التي تظهر عليها علامات ضعف أو تشققات خطيرة.
وتشمل الاستعدادات الضرورية للزلازل توعية السكان بكيفية الاحتماء أثناء الاهتزاز، وإعداد خطط للإخلاء بعد توقفه عند الحاجة، وتحديد الأماكن الأكثر أمانًا داخل المباني، وتجنب استخدام المصاعد أثناء الهزة. لكن هذه الإرشادات يجب أن تتكامل مع الإجراءات الهندسية، لأنها لا تعوض ضعف المبنى نفسه.
كذلك تبرز أهمية وجود نظم لرصد النشاط الزلزالي، وإجراء دراسات لتقييم المخاطر، وإعداد خطط للطوارئ تساعد الجهات المعنية على الوصول إلى المواقع المتضررة بسرعة.
قصة زلزال لم تكن نهايتها بانتهاء الاهتزاز
انتهت الهزة خلال وقت قصير، لكن آثارها استمرت في حياة المصابين والأسر التي فقدت أفرادًا منها، وفي المباني التي احتاجت إلى إصلاح أو إعادة بناء. وأصبح الزلزال نقطة مرجعية عند الحديث عن استعداد المدن المصرية للكوارث الطبيعية.
وتكشف الواقعة أن الخطر لا يرتبط فقط بقوة الظاهرة الطبيعية، بل أيضًا بمدى استعداد المجتمع لمواجهتها. فالتخطيط العمراني السليم، وجودة التنفيذ، والصيانة، والتوعية، والاستجابة السريعة كلها عوامل تحدد حجم الخسائر.
إن زلزال 1992 يظل درسًا مهمًا في تاريخ مصر الحديث: لا يمكن منع الزلازل، لكن يمكن الحد من آثارها عندما تُبنى المنشآت على أسس هندسية سليمة، وتُراقب المباني المعرضة للخطر، ويعرف السكان كيف يتصرفون في اللحظات الحرجة.



