مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة يواصل فعالياته في القاهرة.. عروض مسرحية ومعارض تعيد اكتشاف المدينة
D-CAF، الفنون المعاصرة في القاهرة، المسرح المستقل، المعارض الفنية، الثقافة المصرية
تتواصل فعاليات الدورة الرابعة عشرة من مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة «D-CAF» في القاهرة، ضمن برنامج يمتد من 11 أكتوبر إلى 2 نوفمبر 2026، ويجمع عروضًا مسرحية وفنونًا بصرية وتجارب متعددة التخصصات في عدد من المساحات الثقافية. ويهدف المهرجان إلى توسيع حضور الفن المعاصر خارج القاعات التقليدية، من خلال تقديم أعمال في مسارح ومعارض وأماكن ثقافية مختلفة، مع امتداد بعض الأنشطة إلى الإسكندرية.
وتأتي الدورة الحالية في وقت تتزايد فيه أهمية المساحات المستقلة في المشهد الثقافي المصري، خصوصًا مع سعي الفنانين إلى تقديم أعمال لا تقتصر على الأشكال الفنية المألوفة، بل تمزج بين المسرح والأداء الحي والفيديو والصورة والتجارب التفاعلية. ويمنح هذا التنوع الجمهور فرصة للتعرف على اتجاهات فنية مختلفة، كما يتيح للفنانين عرض أعمالهم أمام مشاهدين قد لا يزورون المعارض أو المسارح بصورة منتظمة.
الفن المعاصر يخرج من القاعات التقليدية
تقوم فكرة المهرجان على استخدام أماكن متعددة داخل المدينة لاستضافة الأعمال الفنية، بدلًا من حصر النشاط الثقافي في مؤسسة واحدة أو مسرح تقليدي. ويساعد هذا الأسلوب على ربط التجربة الفنية بالمكان الذي تُعرض فيه، بحيث يصبح المبنى أو الشارع أو المساحة التاريخية جزءًا من طريقة تلقي العمل.
وتستطيع الفنون المعاصرة أن تتعامل مع موضوعات مثل الذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية والعلاقة بين الإنسان والمدينة. وقد تستخدم الصورة أو الحركة أو الصوت أو عناصر من البيئة المحيطة لتقديم تجربة تختلف عن مشاهدة لوحة أو حضور عرض مسرحي تقليدي.
ولا يعني هذا أن جميع الأعمال تتطلب معرفة مسبقة بتاريخ الفن؛ فكثير من التجارب تسعى إلى فتح باب التأمل أمام الجمهور، مع ترك مساحة لتفسيرات متعددة. لكن تقديم الأعمال في أماكن غير مألوفة قد يحتاج إلى شرح أو معلومات تساعد الزائر على فهم الفكرة والسياق الفني.
معارض فنية تفتح نوافذ جديدة على المكان
يتضمن برنامج الفنون البصرية معرض «Natural Scenes» للفنانة المصرية نرمين الأنصاري، الذي يقدم بالتعاون مع جاليري المشربية للفن المعاصر في فيلا فيوليت. كما يستضيف معرض ليغاسي في حرم الجامعة الأمريكية بميدان التحرير العمل السينمائي التركيبي «Seven Deaths» للفنانة مارينا أبراموفيتش يوم 30 أكتوبر.
ويستند عمل أبراموفيتش إلى استحضار سبع شخصيات نسائية شهيرة من عالم الأوبرا، في تجربة بصرية تستخدم الموسيقى والصورة لتقديم معالجة فنية لموضوع الموت. وتكمن أهمية العمل في الجمع بين الأداء والفن السينمائي، بما يتيح للجمهور الاقتراب من تجربة تقع بين العرض الحي والصورة المسجلة.
كما يضم البرنامج معرض «On Zamalek’s Nocturnal Vegetation» للفنان الإيطالي جاكوبو فالنتيني، الذي يستمر حتى 25 أكتوبر، ومعرضًا للفنان المصري أيمن خوري بعنوان «Tulun Mosque»، من المقرر أن يستمر بين 25 أكتوبر و1 نوفمبر في بيت طولون.
ويعكس تنوع هذه المعارض اهتمام المهرجان بتقديم أعمال من خلفيات مختلفة، مع استخدام مواقع ثقافية داخل القاهرة تمنح الزيارة بعدًا مكانيًا يتجاوز مشاهدة العمل الفني وحده.
لماذا تحتاج القاهرة إلى مساحات للفن المعاصر؟
تضم القاهرة جمهورًا واسعًا وبيئة ثقافية متنوعة، لكن الوصول إلى الفنون المعاصرة قد يبدو صعبًا لبعض الأشخاص بسبب اختلاف طبيعة هذه الأعمال عن المعارض التقليدية. وتساعد المهرجانات التي تنتقل بين أماكن مختلفة على تقليل المسافة بين الجمهور والفنانين، وتمنح المشاهد فرصة لاكتشاف أعمال جديدة دون الحاجة إلى الانتماء إلى دائرة متخصصة في الفن.
كما يمكن للمساحات المستقلة أن تتيح للفنانين تجريب أساليب يصعب تقديمها في المؤسسات ذات البرامج الأكثر تقليدية. وقد تشمل هذه التجارب عروضًا قصيرة أو تركيبات فنية أو أعمالًا تتفاعل مع المكان أو تستخدم تقنيات حديثة.
ومع ذلك، يظل الوصول إلى جمهور أوسع مرتبطًا بعوامل عملية، مثل وضوح المعلومات عن مواعيد الفعاليات، وسهولة الانتقال بين المواقع، وتوفير شروح مناسبة للأعمال، ومراعاة احتياجات الزوار ذوي الإعاقة. فتنوع البرنامج وحده لا يكفي إذا كانت المشاركة صعبة أو كانت المعلومات غير متاحة للجمهور.
دور المهرجانات في دعم الفنانين المستقلين
تتيح المهرجانات الفنية للفنانين فرصة عرض أعمالهم أمام جمهور جديد، والتواصل مع قيّمين فنيين ومنتجين ومؤسسات ثقافية. ويمكن لهذه اللقاءات أن تفتح المجال أمام تعاون مستقبلي أو مشاركة في معارض ومهرجانات أخرى.
كما تساعد الفعاليات على بناء جمهور للأعمال التي لا تعتمد على الانتشار التجاري الواسع، وتمنح الفنانين مساحة لتطوير أفكار جديدة واختبار كيفية تفاعل المشاهدين معها. وقد تكون هذه التجارب مهمة بصورة خاصة للفنانين الشباب الذين يبحثون عن فرص لإظهار أعمالهم خارج نطاق الدراسة أو الورش الفنية.
لكن المشاركة في المهرجان لا تضمن بالضرورة استمرار المشروع أو حصول الفنان على تمويل لاحق. فالدعم المستدام يحتاج إلى مؤسسات وبرامج تمويل وشراكات تساعد الفنانين على تطوير أعمالهم بعد انتهاء الحدث.
الفن والمدينة.. علاقة تتجاوز المشاهدة
عندما تنتقل الفعاليات إلى مواقع متعددة، يصبح اكتشاف المدينة جزءًا من التجربة الثقافية. فقد يزور الجمهور مساحة لم يكن يعرفها من قبل، أو يتعرف إلى مبنى تاريخي من خلال معرض أو عرض فني يقام داخله.
ويمكن لهذه العلاقة أن تعزز الاهتمام بالأماكن الثقافية، لكنها تتطلب تنظيمًا يحافظ على سلامة المواقع ويضمن أن يكون استخدامها مناسبًا لطبيعتها. كما أن إشراك السكان المحليين وتوفير المعلومات عن الفعاليات يساعدان على جعل المهرجان جزءًا من الحياة الثقافية اليومية، لا مجرد حدث موجه إلى جمهور محدود.
ماذا تقدم الدورة الرابعة عشرة؟
تمنح الدورة الحالية مساحة لأعمال متنوعة، من المعارض البصرية إلى التجارب السينمائية والتركيبات الفنية، مع استمرار الفعاليات حتى 2 نوفمبر. ويعكس البرنامج توجهًا نحو تقديم الفن المعاصر بوصفه تجربة يمكن أن تتفاعل مع المدينة والناس والأماكن.
ويبقى التحدي أمام المهرجان وأمثاله هو تحويل الاهتمام المؤقت إلى مشاركة ثقافية مستمرة، بحيث لا تنتهي العلاقة بين الجمهور والفن بانتهاء الفعاليات. ويتطلب ذلك إتاحة المعلومات، وتطوير برامج تعليمية، وفتح المجال أمام الفنانين والجمهور للمشاركة في الحوار حول الأعمال ومعانيها.



