متاجر الفخامة في فرنسا تتحصن قبل احتجاجات جديدة.. مخاوف من تكرار أعمال النهب
لجأت متاجر السلع الفاخرة في فرنسا إلى تدعيم واجهاتها والاستعانة بحراس أمن قبل احتجاجات 24 أكتوبر 2026، وسط مخاوف من تكرار عمليات النهب والتخريب التي طالت مئات المتاجر الأسبوع الماضي.
تحولت واجهات عدد من أشهر متاجر السلع الفاخرة في فرنسا إلى ألواح خشبية وحواجز واقية، بعدما قررت شركات ومتاجر في باريس ومناطق أخرى تعزيز إجراءات الأمن قبل احتجاجات جديدة السبت 24 أكتوبر 2026، خشية تكرار أعمال النهب والتخريب التي شهدتها البلاد خلال الأسبوع السابق.
وجاءت الاستعدادات بعد تعرض متاجر في باريس ومرسيليا وبوردو لأعمال اقتحام ونهب خلال احتجاجات 17 أكتوبر، ما دفع علامات تجارية شهيرة إلى إعادة تقييم مخاطر فتح أبوابها أمام الجمهور في يوم يشهد تحركات احتجاجية جديدة مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة والاعتراض على تخفيضات الخدمات العامة.
ولم تقتصر المخاوف على متاجر المجوهرات والساعات والملابس الفاخرة، بل امتدت إلى المحال الصغيرة والصيدليات والأعمال التجارية التي قد لا تستطيع تحمل تكلفة الحراسة الخاصة أو إغلاق أبوابها طوال اليوم.
لماذا تستعد المتاجر الفرنسية لاحتجاجات جديدة؟
تأتي الاستعدادات الأمنية في أعقاب احتجاجات شهدتها فرنسا في 17 أكتوبر، عندما تعرضت متاجر في مدن عدة للاقتحام والتخريب والنهب على هامش التحركات الاحتجاجية. وأدت تلك الأحداث إلى أضرار مادية طالت واجهات تجارية وممتلكات خاصة، وأثارت مخاوف من أن تتحول بعض التجمعات الجديدة إلى فرص لارتكاب أعمال عنف وسرقة.
ودعت مجموعات، من بينها الاتحاد الطلابي الرئيسي في فرنسا وحركة السترات الصفراء، إلى تنظيم مسيرات في وسط باريس يوم 24 أكتوبر، احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وتقليص الخدمات العامة. وتأتي هذه التحركات في سياق أوسع من التوتر الاجتماعي بشأن القدرة الشرائية والسياسات الاقتصادية، لكن من المهم التمييز بين المشاركين في الاحتجاجات السلمية وبين الأشخاص الذين يرتكبون أعمال التخريب والنهب.
فوجود مظاهرة لا يعني أن جميع المشاركين فيها يشاركون في أعمال غير قانونية، كما أن الأضرار التي تقع على هامش الاحتجاجات لا ينبغي نسبتها تلقائيًا إلى كل الجهات المنظمة. ومع ذلك، دفعت الأحداث السابقة أصحاب الأعمال إلى الاستعداد لاحتمال وقوع اضطرابات جديدة.
وتواجه المتاجر معادلة صعبة بين مواصلة النشاط التجاري وحماية العاملين والممتلكات، خصوصًا في المناطق التي تضم عددًا كبيرًا من المحال المتقاربة أو تقع على مسارات المظاهرات.
علامات فاخرة تغلق أبوابها وتدعم الحراسة
اختارت بعض المتاجر إغلاق أبوابها مؤقتًا بدلًا من المخاطرة بتعرضها لعمليات اقتحام جديدة. وشملت الاستعدادات متاجر للساعات والمجوهرات الفاخرة قرب ساحة فاندوم الشهيرة في باريس، وهي منطقة تضم عددًا من العلامات التجارية المعروفة عالميًا.
وأفاد موظفون في متجر تابع لعلامة رولكس ومتجر دي بيرز بأنهما سيبقيان مغلقين يوم السبت، فيما فضلت متاجر أخرى اتخاذ القرار وفق تطورات الاحتجاجات ومدى شدتها خلال ساعات اليوم.
كما عززت شركات كبرى إجراءات حماية بعض فروعها، بعد تعرض متاجر تابعة لها لأضرار خلال أحداث الأسبوع السابق. وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في قطاع السلع الفاخرة، حيث يمكن أن تتجاوز قيمة البضائع المعروضة في المتجر الواحد ملايين اليوروهات، ما يجعل الحماية المسبقة أقل كلفة من تحمل خسائر كبيرة بعد وقوع حادث.
لكن إغلاق المتاجر لا يخلو من الأضرار الاقتصادية. فالمحال التي تتوقف عن العمل تخسر إيرادات يومية، وقد يضطر العاملون إلى تغيير جداولهم أو البقاء في منازلهم، بينما تواجه الشركات تكاليف إضافية تتعلق بالحراسة وإصلاح الواجهات وتأمين المخزون.
المتاجر الصغيرة أمام خيارات أكثر صعوبة
في حين تستطيع العلامات التجارية الكبرى تحمل بعض تكاليف الحراسة الإضافية، تواجه المتاجر الصغيرة تحديات أكبر. فقد لا تسمح إيرادات محل حلاقة أو متجر محلي بتوظيف حراس أمن طوال اليوم، كما قد يؤدي إغلاق المحل في يوم مزدحم إلى خسارة يصعب تعويضها.
وأشارت تقارير فرنسية إلى أن بعض أصحاب المحال حاولوا الاعتماد على تضامن الجيران والتنسيق مع الأنشطة التجارية المحيطة، بدلًا من الاستعانة بحراسة خاصة مكلفة.
وتعكس هذه المشكلة التفاوت في قدرة الشركات على مواجهة الاضطرابات؛ فالشركات الكبيرة قد توزع تكلفة التأمين والحماية على عدد كبير من الفروع، بينما يتحمل صاحب العمل الصغير تكلفة الحماية بصورة مباشرة، وقد لا يمتلك موارد كافية لتغطية الضرر الناتج عن التخريب أو السرقة.
كما أن المتاجر لا تستطيع دائمًا التنبؤ بمسار الاحتجاجات أو حجم المشاركة فيها، وهو ما يجعل قرار الإغلاق أو الاستمرار في العمل قرارًا اقتصاديًا وأمنيًا في الوقت نفسه.
الحكومة تؤكد مسؤوليتها عن حماية الممتلكات
أصدرت شرطة باريس توصيات لأصحاب المتاجر الواقعة بالقرب من مسارات الاحتجاجات، تضمنت تعزيز إجراءات الحماية، وفحص أنظمة الإنذار، والنظر في تعديل ساعات العمل، والاستعانة بشركات أمن خاصة عند الضرورة.
لكن التوصيات أثارت نقاشًا حول حدود مسؤولية أصحاب الأعمال في حماية ممتلكاتهم. فقد أكدت السلطات أن مسؤولية الأمن العام وحماية المواطنين والمنشآت تقع على عاتق الدولة، وأن تعزيز الإجراءات الوقائية داخل المتاجر لا يعني تشجيع أصحابها على مواجهة مثيري الشغب بأنفسهم.
وتبرز أهمية هذا التوضيح لأن الاستعانة بالحراسة أو اتخاذ تدابير دفاعية قد تساعد على ردع بعض الاعتداءات، لكنها لا تحل محل عمل الشرطة، ولا تمنح أصحاب المتاجر الحق في استخدام القوة خارج الحدود التي يسمح بها القانون.
كما أن تصاعد القلق قد يدفع بعض الأفراد إلى شراء وسائل للدفاع عن النفس أو تشكيل مجموعات محلية لحماية الممتلكات. غير أن هذه التصرفات قد تزيد مخاطر المواجهات إذا لم تخضع للقانون، وقد تحول حادثًا محدودًا إلى اشتباك أكثر خطورة.
ما حجم التأثير الاقتصادي المحتمل؟
يمكن أن تتجاوز آثار أعمال النهب الخسائر المباشرة في البضائع والواجهات، لتشمل تراجع الإقبال على المناطق التجارية، وزيادة أقساط التأمين، وارتفاع تكاليف الأمن، وتأجيل عمليات الشراء التي كانت مقررة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
كما تعتمد قطاعات السياحة والتجزئة الفاخرة في فرنسا على تدفق الزوار المحليين والأجانب إلى مراكز التسوق والشوارع التجارية الشهيرة. وقد تؤثر مشاهد المتاجر المغلقة والواجهات المحمية في تجربة الزوار، خصوصًا إذا تكررت الاضطرابات خلال فترات متقاربة.
ومع ذلك، لا يمكن تحديد حجم الخسائر الاقتصادية الإجمالية قبل جمع بيانات موثوقة عن الأضرار والمبيعات التي فُقدت وتكاليف الإصلاح. كما لا يعني وقوع أعمال تخريب في مدن معينة أن النشاط التجاري في فرنسا كلها توقف أو أن جميع المتاجر تعرضت للخطر.
بين حق الاحتجاج وحماية الممتلكات
تضع التطورات الفرنسية السلطات أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في حماية الحق في الاحتجاج السلمي، ومنع الاعتداء على الأشخاص والممتلكات. ويتطلب ذلك تنظيم المسيرات وتأمين مساراتها، والتعامل مع أي أعمال عنف بصورة متناسبة مع القانون، مع عدم الخلط بين المتظاهرين السلميين ومن يرتكبون جرائم.
وفي المقابل، تحتاج الحكومة إلى التعامل مع المطالب الاجتماعية التي تدفع الناس إلى الشوارع، ومنها ارتفاع تكاليف المعيشة والقلق بشأن الخدمات العامة. فالإجراءات الأمنية قد تمنع بعض الأضرار، لكنها لا تعالج وحدها أسباب الاحتقان الاجتماعي.
وتبقى نتائج احتجاجات 24 أكتوبر عاملًا مهمًا في تحديد ما إذا كانت المتاجر ستعود إلى العمل الطبيعي سريعًا، أم ستستمر إجراءات الحماية والإغلاق خلال الأيام التالية. أما تقدير حجم الخسائر النهائية، فسيتوقف على ما تسجله السلطات وأصحاب الأعمال بعد انتهاء الاحتجاجات.



