كيف تتكون الصواعق والبرق؟ أسرار علمية تفسر الومضات الكهربائية التي تضيء السماء
اكتشف كيف يتكون البرق داخل السحب والعواصف الرعدية، وما أسباب حدوث الصواعق، ولماذا نرى الوميض قبل سماع الرعد، وكيف يمكن الوقاية من مخاطر التفريغ الكهربائي.
يظهر البرق في السماء خلال العواصف الرعدية على هيئة ومضات شديدة السطوع، وقد يبدو وكأنه خط مضيء يشق الغيوم أو يمتد من السحب إلى سطح الأرض. وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة تستمر أحيانًا لجزء صغير من الثانية، فإنها تنطوي على عمليات كهربائية معقدة تحدث داخل الغلاف الجوي.
ولا يقتصر البرق على المشهد المضيء الذي يراه الإنسان؛ فهو تفريغ كهربائي قوي ينقل الشحنات بين مناطق مختلفة داخل السحب أو بينها وبين الأرض. وقد يصاحب هذا التفريغ تسخين سريع للهواء، يؤدي إلى تمدده بصورة مفاجئة وإنتاج الموجات الصوتية التي نعرفها باسم الرعد.
ويحاول العلماء فهم هذه الظاهرة من خلال دراسة الكهرباء الجوية، وحركة قطرات الماء وبلورات الجليد داخل السحب، والتغيرات التي تطرأ على المجالات الكهربائية في أثناء العواصف. وتساعد هذه المعرفة على تطوير أنظمة رصد وتحذير تقلل من مخاطر الصواعق على الإنسان والبنية التحتية.
ما الفرق بين البرق والصاعقة والرعد؟
يُستخدم مصطلح البرق لوصف الوميض الناتج عن التفريغ الكهربائي في الغلاف الجوي. وقد يحدث التفريغ داخل السحابة نفسها، أو بين سحابتين، أو بين السحابة وسطح الأرض.
أما الصاعقة، فيُقصد بها عادة التفريغ البرقي الذي يصل إلى الأرض أو يؤثر فيها مباشرة. ويمكن أن تضرب الصواعق الأشجار والمباني والأبراج والأرض المفتوحة، كما قد تؤثر في الأشخاص والحيوانات إذا كانوا ضمن مسار التيار الكهربائي أو بالقرب منه.
والرعد هو الصوت الناتج عن التسخين السريع للهواء على طول قناة البرق. فعندما يمر التفريغ الكهربائي، ترتفع حرارة الهواء المحيط به بسرعة كبيرة، فيتمدد بصورة مفاجئة، وينشأ عن ذلك اضطراب ينتقل على هيئة موجات صوتية.
ولهذا السبب نرى البرق عادة قبل سماع الرعد؛ فالضوء يصل إلى العين بسرعة هائلة مقارنة بسرعة الصوت في الهواء. ويمكن استخدام الفاصل الزمني بين الوميض والصوت لتقدير المسافة التقريبية للعاصفة، لكن هذه الطريقة لا تغني عن متابعة التحذيرات الجوية الرسمية.
كيف تتكون الشحنات الكهربائية داخل السحب؟
تبدأ العملية في كثير من العواصف الرعدية عندما يرتفع الهواء الدافئ الرطب إلى طبقات أكثر برودة من الغلاف الجوي. ومع صعوده، يبرد بخار الماء ويتكثف، فتتكون السحب التي قد تحتوي على قطرات ماء فائقة البرودة وبلورات جليدية وحبيبات جليد أكبر حجمًا.
وتؤدي التيارات الهوائية الصاعدة والهابطة إلى تحريك هذه الجسيمات وتصادمها باستمرار. وفي ظروف معينة، تتبادل بلورات الجليد وحبيبات الجليد الشحنات الكهربائية خلال التصادمات، وتؤدي الحركة داخل السحابة إلى فصل مناطق الشحنات المختلفة.
وغالبًا ما تتوزع الشحنات داخل العواصف الرعدية في أنماط معقدة، فقد تتجمع شحنات سالبة في منطقة من السحابة، بينما تتراكم شحنات موجبة في مناطق أخرى. ولا يكون توزيع الشحنات متماثلًا في جميع العواصف، إذ تتأثر العملية بدرجة الحرارة والرطوبة وحجم الجسيمات وقوة التيارات الهوائية.
ومع تزايد الفصل بين الشحنات، يتكون مجال كهربائي داخل السحابة وحولها. وعندما يصبح المجال قويًا بما يكفي لبدء انهيار العزل الكهربائي للهواء في مسار معين، يمكن أن يبدأ التفريغ البرقي.
ولا يعني ذلك أن كل سحابة ممطرة تنتج البرق؛ إذ تحتاج العواصف الرعدية إلى ظروف جوية تسمح بتكوين شحنات كهربائية وفصلها بدرجة مناسبة.
لماذا يضرب البرق الأرض في بعض الأحيان؟
يمكن أن يؤدي تراكم الشحنات داخل السحابة إلى إعادة توزيع الشحنات الكهربائية على سطح الأرض أسفلها. ومع اشتداد المجال الكهربائي، قد تبدأ قناة متفرعة من التفريغ في التقدم من السحابة باتجاه الأرض.
وفي بعض الحالات، تتشكل مسارات كهربائية صاعدة من أجسام مرتفعة على سطح الأرض، مثل الأشجار والأبراج والمباني. وعندما يتصل المسار الهابط بأحد المسارات الصاعدة، يكتمل الطريق الذي يسمح بمرور تيار كهربائي قوي.
لكن الصاعقة لا تختار دائمًا أعلى جسم في المنطقة، كما أن الوقوف بجوار مبنى مرتفع لا يضمن السلامة إذا كان الشخص خارج منطقة الحماية المناسبة. فقد تؤدي الصواعق إلى إصابات عبر الضربة المباشرة أو انتقال التيار على سطح الأرض أو مروره خلال جسم متصل بمسار التفريغ.
وتشمل المخاطر كذلك انتقال التيار عبر الأسلاك والأنابيب والأنظمة الكهربائية، ولذلك يمكن أن يتعرض الأشخاص للأذى داخل المباني إذا استخدموا تجهيزات موصلة خلال العاصفة.
لماذا يكون صوت الرعد قويًا أحيانًا وضعيفًا في أحيان أخرى؟
يتوقف صوت الرعد الذي يصل إلى الإنسان على عدة عوامل، من بينها المسافة عن قناة البرق، وشكل التفريغ، وطبيعة التضاريس، وخصائص الغلاف الجوي.
فعندما تكون الصاعقة قريبة، قد يسمع الشخص صوتًا حادًا أو انفجارًا قويًا. أما إذا كانت بعيدة، فقد يصل الصوت على هيئة دمدمة طويلة، لأن الموجات الصوتية القادمة من أجزاء مختلفة من قناة البرق تصل في أوقات متباينة.
وتؤثر المباني والجبال والتضاريس في انعكاس الصوت وانتشاره، كما تتغير قدرة الهواء على نقل الموجات الصوتية وفقًا لدرجة حرارته ورطوبته وحركة الرياح.
ويمكن أن يساعد حساب الفاصل الزمني بين رؤية الوميض وسماع الرعد في تقدير المسافة بصورة تقريبية. ويُستخدم في بعض الإرشادات الميدانية تقسيم عدد الثواني على نحو ثلاثة للحصول على مسافة تقريبية بالكيلومترات، لكن النتيجة تظل تقديرية وتتأثر بظروف انتشار الصوت.
والأهم أن سماع الرعد يعني أن الشخص قد يكون داخل نطاق خطر الصواعق، حتى لو لم يكن المطر يسقط فوق موقعه في اللحظة نفسها.
هل يمكن أن يحدث البرق من دون مطر غزير؟
نعم، يمكن أن تحدث الصواعق في عواصف لا يصل منها مطر كثير إلى سطح الأرض، وقد يتبخر جزء من الهطول أثناء سقوطه في طبقات الهواء الأكثر جفافًا.
وتوجد أيضًا ظواهر برقية ترتبط ببعض الثورات البركانية، إذ يمكن أن تتولد شحنات كهربائية نتيجة تصادم جزيئات الرماد والمواد المقذوفة. وقد رصد العلماء تفريغات كهربائية داخل أعمدة الرماد البركاني، لكنها تختلف في آلياتها عن البرق الناتج عن العواصف الرعدية التقليدية.
وفي بعض الظروف، قد يحدث البرق على مسافات بعيدة نسبيًا عن منطقة سقوط الأمطار، وهو ما يجعل الاعتماد على المطر وحده لتقدير الخطر أمرًا غير آمن.
كما يمكن أن تظهر ومضات كهربائية داخل السحب من دون أن يصل التفريغ إلى الأرض. ولا تعني رؤية البرق بالضرورة أن الصاعقة ستضرب مكانًا معينًا، لكنها تشير إلى وجود نشاط كهربائي يستدعي اتخاذ الاحتياطات.
كيف يرصد العلماء البرق ويتابعون العواصف؟
تستخدم مراكز الأرصاد الجوية وشبكات الرصد أجهزة أرضية وأقمارًا صناعية لمتابعة النشاط البرقي. وتستطيع بعض أنظمة الاستشعار تحديد وقت التفريغ وموقعه التقريبي، بينما تساعد الشبكات المتعددة المحطات على تحسين تقدير الموقع والخصائص الكهربائية.
وتحمل بعض الأقمار الصناعية أجهزة بصرية قادرة على رصد الومضات البرقية فوق مساحات واسعة، ما يتيح متابعة العواصف في المناطق التي تقل فيها محطات الرصد الأرضية. وتُستخدم هذه البيانات لفهم تطور العواصف ودراسة علاقتها بالهطول الشديد والرياح والظواهر الجوية الخطرة.
وتساعد مراقبة البرق كذلك في تحسين بعض نماذج التنبؤ بالعواصف الرعدية، لأن زيادة النشاط البرقي قد تكون مؤشرًا على تغيرات في بنية العاصفة. ومع ذلك، لا يمكن الاعتماد على البرق وحده لتوقع جميع المخاطر الجوية، بل يجب دمج بياناته مع قياسات الرياح والرطوبة ودرجة الحرارة والرادار الجوي.
ما الطريقة الأكثر أمانًا للتعامل مع الصواعق؟
عند سماع الرعد، يُنصح بالتوجه إلى مبنى مغلق أو مركبة ذات سقف صلب، وتجنب البقاء في الأماكن المفتوحة أو قرب الأشجار المنفردة أو المسطحات المائية.
ولا يُنصح بالاحتماء تحت شجرة منفردة، لأن البرق قد يضربها وينتقل التيار إلى الأرض أو إلى الأشخاص القريبين منها. كما ينبغي الابتعاد عن أعمدة الإنارة والأبراج المعدنية والأسوار والأسطح المرتفعة.
وفي داخل المباني، من الأفضل تجنب استخدام الأجهزة المتصلة بالكهرباء أو الهواتف السلكية، والابتعاد عن النوافذ والأنابيب والمياه الجارية أثناء العاصفة. وقد تنتقل الاندفاعات الكهربائية عبر خطوط الكهرباء والاتصالات، ما يجعل الحذر ضروريًا حتى داخل المنزل.
أما الأشخاص الموجودون في أماكن مكشوفة ولا يستطيعون الوصول فورًا إلى ملجأ آمن، فعليهم الابتعاد عن التجمعات المائية والأجسام المرتفعة واتباع تعليمات الجهات المختصة. ولا توجد وضعية جسدية تضمن الحماية الكاملة من الصواعق في الأماكن المفتوحة، لذلك يظل الوصول إلى ملجأ مناسب هو الخيار الأفضل.
هل يمكن استخدام البرق مصدرًا للطاقة؟
تحتوي الصواعق على طاقة كهربائية كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة للغاية، لكن تحويل هذه الطاقة إلى مصدر عملي ومستقر للكهرباء يمثل تحديًا تقنيًا بالغ الصعوبة.
فالبرق غير منتظم من حيث التوقيت والموقع، وتكون قدرته اللحظية مرتفعة بصورة قد تتلف المعدات المستخدمة لالتقاط الطاقة. كما أن تخزين الطاقة الناتجة عن تفريغ سريع يتطلب أنظمة خاصة قادرة على تحمل الجهد والتيار المرتفعين.
ولهذا لا يُعد جمع طاقة البرق في الوقت الحالي بديلًا عمليًا لمصادر الكهرباء المعروفة. وتظل مصادر الطاقة الشمسية والرياح والمياه أكثر ملاءمة لإنتاج الكهرباء على نطاق واسع، لأنها تسمح بتصميم أنظمة توليد وتخزين يمكن التحكم فيها بدرجة أكبر.
وتوضح دراسة البرق كيف يمكن لظاهرة تبدو عابرة في السماء أن تكشف عن تفاعلات دقيقة بين الغلاف الجوي والكهرباء والحرارة. ومع تقدم وسائل الرصد، يواصل العلماء تطوير فهمهم للعواصف الرعدية بهدف تحسين الإنذار المبكر وتقليل مخاطر الصواعق على الإنسان والمجتمعات.



