الاتحاد الأوروبي وفيتنام يعززان الشراكة الاستراتيجية.. المعادن الحيوية والتجارة والأمن البحري في صدارة المباحثات
بحث الاتحاد الأوروبي وفيتنام توسيع التعاون التجاري والاستثماري والتكنولوجي، خلال زيارة الرئيس الفيتنامي تو لام إلى بروكسل يوم 22 أكتوبر 2026، حيث التقى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. وتناولت المباحثات سبل تطوير الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، وتعزيز التعاون في المعادن الحيوية والبنية التحتية والطاقة النظيفة والأمن البحري، إلى جانب تسريع استكمال الإجراءات المتعلقة باتفاقية حماية الاستثمارات.
وتأتي هذه التحركات في ظل سعي الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر المواد الخام وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الموردين، بينما تعمل فيتنام على تعزيز موقعها في سلاسل الإمداد العالمية وتوسيع علاقاتها الاقتصادية مع الأسواق الكبرى.
وتكتسب الشراكة أهمية سياسية أيضًا، لأنها تأتي في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على الموارد والتكنولوجيا والأسواق، بينما تحاول الدول تعزيز قدرتها على مواجهة الاضطرابات التجارية وتحسين أمن الإمدادات.
ووفق البيان المشترك الصادر عقب اجتماعات بروكسل يوم 22 أكتوبر، أكد الجانبان أهمية التنفيذ الكامل لاتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وفيتنام، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2020، ودعوا إلى تسريع التصديق على اتفاقية حماية الاستثمارات التي لم تدخل حيز التنفيذ بعد.
لماذا يهتم الاتحاد الأوروبي بتعزيز علاقاته مع فيتنام؟
تحتل فيتنام موقعًا مهمًا في شبكات التصنيع والتجارة في آسيا، كما أصبحت وجهة للاستثمارات المرتبطة بالإنتاج الصناعي والإلكترونيات وسلاسل التوريد.
ويبحث الاتحاد الأوروبي عن شركاء قادرين على توفير منتجات ومواد تدخل في الصناعات المتقدمة، خصوصًا مع تزايد الحاجة إلى تنويع مصادر المعادن الحيوية المستخدمة في البطاريات والتقنيات الرقمية والطاقة النظيفة.
كما أن توسيع العلاقات مع دول جنوب شرق آسيا يمنح الشركات الأوروبية فرصًا للوصول إلى أسواق جديدة وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية محدودة.
لكن تنويع الشراكات لا يعني الاستغناء الكامل عن الموردين الحاليين؛ إذ يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى بناء علاقات تجارية متعددة يمكنها العمل بالتوازي، بما يقلل المخاطر إذا تعرض أحد المسارات لاضطرابات.
وبالنسبة إلى فيتنام، فإن الشراكة توفر فرصة لجذب استثمارات جديدة، وتوسيع الصادرات، وتحسين الوصول إلى الأسواق الأوروبية.
المعادن الحيوية في قلب المنافسة الدولية
تزداد أهمية المعادن الحيوية مع توسع استخدام البطاريات والسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح ومراكز البيانات والتقنيات المتقدمة.
وتحتاج هذه الصناعات إلى مواد تدخل في تصنيع المكونات الإلكترونية وأنظمة تخزين الطاقة وغيرها من المنتجات، وهو ما يجعل تأمين الإمدادات مسألة اقتصادية واستراتيجية في آن واحد.
ولهذا، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تطوير التعاون مع شركاء يمكنهم المساهمة في تنويع مصادر المواد الخام، مع الاهتمام بطرق الاستخراج والمعالجة والاستدامة البيئية.
أما فيتنام، فتستطيع الاستفادة من التعاون إذا نجحت في تطوير القدرات المحلية المرتبطة بالتعدين والمعالجة والتصنيع، بدلًا من الاقتصار على تصدير المواد الأولية.
لكن استغلال الموارد المعدنية يحتاج إلى استثمارات كبيرة، وتكنولوجيا متخصصة، وقواعد بيئية واضحة، فضلًا عن دراسة الآثار الاجتماعية للمشروعات.
كما أن امتلاك الموارد وحده لا يضمن تحقيق عوائد مرتفعة؛ إذ تعتمد القيمة الاقتصادية على القدرة على المعالجة والتصنيع والوصول إلى الأسواق.
اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وفيتنام
دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وفيتنام حيز التنفيذ في الأول من أغسطس 2020، وتهدف إلى تقليل الحواجز التجارية وتوسيع فرص وصول السلع والخدمات إلى الأسواق.
ويمكن للاتفاقية أن تساعد الشركات على الاستفادة من تخفيضات الرسوم الجمركية وتحسين القدرة التنافسية، لكن الاستفادة الفعلية تتطلب الالتزام بقواعد المنشأ والمعايير الفنية والإجراءات التنظيمية.
كما أن زيادة التجارة لا تعتمد على الاتفاقيات وحدها، بل تتطلب تطوير الإنتاج وتحسين الجودة وتوفير خدمات النقل والتمويل والتوزيع.
وأكد الجانبان خلال مباحثات أكتوبر أهمية التنفيذ الكامل للاتفاقية، بما يعكس اهتمامًا بتوسيع المنافع التجارية وتحسين استفادة الشركات من الإطار القائم.
لكن الاتفاقية التجارية تختلف عن اتفاقية حماية الاستثمارات، إذ تتناول كل منهما جوانب قانونية واقتصادية مختلفة.
لماذا لم تدخل اتفاقية حماية الاستثمارات حيز التنفيذ؟
دعا الجانبان إلى تسريع التصديق على اتفاقية حماية الاستثمارات، التي تتطلب استكمال إجراءات التصديق من جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قبل دخولها حيز التنفيذ، وفق المعلومات المنشورة عن المباحثات.
وتهدف اتفاقيات حماية الاستثمارات عادة إلى توفير قواعد قانونية أكثر وضوحًا للمستثمرين، وتحديد بعض الضمانات والإجراءات المتعلقة بالنزاعات.
وقد يساعد وجود إطار قانوني مستقر على تشجيع الشركات على تنفيذ مشروعات طويلة الأجل، خصوصًا في القطاعات التي تحتاج إلى استثمارات كبيرة.
لكن التصديق على الاتفاقيات الأوروبية قد يتطلب إجراءات داخل الدول الأعضاء، وهو ما يجعل استكمالها عملية مختلفة عن توقيع إعلان سياسي مشترك.
ومن ثم، فإن الدعوة إلى الإسراع في التصديق تعكس رغبة الطرفين في تحسين بيئة الاستثمار، لكنها لا تعني أن الاتفاقية أصبحت نافذة بالفعل.
التعاون في الطاقة النظيفة والبنية التحتية
ناقش الجانبان أيضًا فرص التعاون في التحول إلى الطاقة النظيفة وتطوير البنية التحتية والتكنولوجيا والابتكار.
وتحتاج عملية التحول في قطاع الطاقة إلى استثمارات في مصادر الكهرباء المتجددة وشبكات النقل والتخزين، إلى جانب تطوير الأنظمة القادرة على التعامل مع تغير مستويات الإنتاج.
ويمكن للشركات الأوروبية أن توفر بعض الخبرات والتقنيات، بينما تقدم فيتنام فرصًا للنمو الصناعي وتوسيع المشروعات المرتبطة بالطاقة.
لكن نجاح هذه الاستثمارات يعتمد على توافر التمويل، ووضوح القواعد التنظيمية، والقدرة على ربط المشروعات بالشبكات والبنية التحتية القائمة.
كما أن التحول إلى الطاقة النظيفة يتطلب التعامل مع آثار اجتماعية واقتصادية، بما في ذلك تدريب العمالة وتطوير الصناعات المحلية.
الأمن البحري وأهمية منطقة المحيطين الهندي والهادئ
يمثل الأمن البحري عنصرًا مهمًا في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وفيتنام، نظرًا إلى اعتماد التجارة العالمية على الممرات البحرية في نقل المواد الخام والمنتجات الصناعية.
وتسعى الدول إلى حماية حرية الملاحة، وتحسين التنسيق بشأن السلامة البحرية، وتطوير آليات للتعامل مع الأزمات التي قد تؤثر على حركة السفن.
كما يتيح الحوار السياسي مناقشة التحديات الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تتداخل مصالح عدد كبير من القوى الدولية.
لكن التعاون البحري لا يعني بالضرورة إنشاء تحالف عسكري جديد، إذ يمكن أن يشمل التدريب وتبادل الخبرات والتنسيق الفني، وفق القواعد التي يحددها الطرفان.
ماذا تعني الشراكة للمنافسة الاقتصادية العالمية؟
تعكس المباحثات توجهًا نحو توسيع العلاقات الاقتصادية في عالم تتزايد فيه أهمية أمن الإمدادات والتكنولوجيا والموارد الطبيعية.
ويمكن أن يستفيد الاتحاد الأوروبي من تنويع مصادر المواد الخام، بينما تحصل فيتنام على فرص لجذب الاستثمار وتطوير التصنيع والتصدير.
لكن النتائج ستعتمد على تنفيذ الاتفاقات، وقدرة الشركات على المنافسة، ومدى نجاح الحكومات في إزالة العقبات التنظيمية.
الخلاصة: يسعى الاتحاد الأوروبي وفيتنام إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية عبر التجارة والمعادن الحيوية والطاقة والتكنولوجيا والأمن البحري. وستحدد إجراءات التنفيذ والتصديق على الاتفاقيات حجم التقدم الفعلي في العلاقات خلال الفترة المقبلة.



