تواجه فرنسا حالياً أزمة عميقة تتجاوز حدود الاحتجاجات وأعمال الشغب السطحية إلى تداعيات اقتصادية وشرخ اجتماعي حاد يتقاطع مع حسابات الانتخابات الرئاسية المقبلة. يرى خلدون النبواني، الباحث في الفلسفة السياسية، أن السياسية الأمنية الصارمة وسياسات الحوار قد تضمن احتواء الغضب مؤقتاً، لكنها تفشل في معالجة الجذور البنيوية للأزمة. ويؤكد النبواني أن هذه التحديات لا تقتصر على فرنسا فحسب، بل تمتد لتشمل دولاً أوروبية أخرى تعاني من أعباء الديون المتزايدة وسياسات التقشف وأزمات الطاقة، مما يجعل الطبقات الوسطى والفئات المهمشة الأكثر تضرراً من هذه السياسات.
تصعيد أمني واستقالة وزير الداخلية
يشبه مراقبون تعامل الرئيس إيمانويل ماكرون مع الأحداث الحالية بالمقاربة المعتمدة سابقاً خلال حركة السترات الصفراء، وهي استراتيجية تجمع بين الملاحقة القضائية للمتورطين في التخريب وفتح قنوات للحوار. ورغم أن ماكرون كان يتنقل سابقاً بين المدن للقاء المواطنين، إلا أن هذه الأساليب تُوصف بأنها علاج موضعي يعالج أعراض التصعيد دون معالجة الأسباب الاقتصادية الكامنة. وقد بلغ التوتر الأمني ذروته عندما قدم وزير الداخلية استقالته يوم الإثنين، لكن ماكرون رفضها، متمسكاً باستمرار القيادة الأمنية وملاحقة الجناة.
أزمة التعليم والطبقة الوسطى
تعود جذور هذا الحراك إلى الاحتجاجات التي قادها الأساتذة ضد أوضاع التعليم، قبل انضمام طلاب الجامعات والنقابات. وتشمل المشكلات الرئيسية تقادم مباني المدارس التي تجاوز عمر بعضها خمسين عاماً، ونقص الكوادر التدريسية، والشعور بعدم العدالة في فرص القبول الجامعي عبر منصة باركور سوب. وعلى الرغم من رفع ميزانية التعليم في مشروع 2027 إلى 64 مليار دولار، تظل الشكوك تحوم حول انعكاس هذا الإنفاق على جودة الخدمة. ويعد الباحث أن قرارات ماكرون الاقتصادية خلال جائحة كورونا كانت كارثية، مما فاقم الدين العام وأثقل كاهل الطبقة الوسطى. كما يمتد التأثير ليشمل بلجيكا والبرتغال واليونان وألمانيا، مع تصاعد أزمة السكن في إسبانيا.
البعد السياسي واستغلال الغضب
كشفت أعمال النهب عن ثغرات أمنية وقصور استخباراتي في الاستباق، رغم وجود مؤشرات على التصعيد. ويرى الخبراء أن استهداف المحال الفاخرة يعكس شرخاً طبقياً عميقاً، لكنهم يشددون على عدم تحميل المتظاهرين مسؤولية السرقات التي تنفذها مجموعات متطرفة من أقصى اليسار واليمين. ومع اقتراب الانتخابات، يتنافس السياسيون على استثمار هذا الغضب؛ فحزب فرنسا الأبية بزعامة جان لوك ميلانشون يستغل الانقسام الطبقي، بينما يحمّل اليمين المتطرف المهاجرين المسؤولية. كما امتد التأثير خارجياً، حيث استغل دونالد ترامب وجي دي فانس المشهد الفرنسي لمهاجمة سياسات الهجرة الديمقراطية في الولايات المتحدة.



