أثار مقطع فيديو مسجل خلال إحدى محاضرات مادة التاريخ للثانوية العامة في الإسكندرية جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث استخدم المعلم عبارات انتقَدَت شخصيتي صفية زغلول وهدى شعراوي، رافضاً ما وصفه بـ “الفيمينست” في جيلهما. الفيديو، الذي انتشر بسرعة، تناول فيه المدرس موضوع تحرير المرأة في مصر، لكنه استُخدم لغة غير لائقة وادعى أن هؤلاء النساء “حرضن الستات على الخروج” وتسببن في “خلع النقاب”، ما أثار استنكاراً كبيراً من قبل المتابعين والنقابات التعليمية.
التصريحات المثيرة للجدل وردود الفعل
بعد انتشار المقطع، تلقت وزارة التربية والتعليم عدة طلبات من جهات مدنية وإعلامية للمحاسبة على المعلم، مطالبةً باتخاذ إجراءات تأديبية أو إقالة. ومع ذلك، أكدت مصادر مطلعة للصحافة أن المدرس لم يعد موظفاً في صفوف الوزارة منذ فترة، حيث ترك عمله الرسمي في وزارة التربية والتعليم وتوجه إلى مجال الدروس الخصوصية والتعليم عبر الإنترنت. وتوضح هذه المصادر أن المعلم كان يُدرّس مادة التاريخ في مدارس الإسكندرية قبل أن يقرر الانتقال إلى التعليم الخاص، ما يعني أنه لا يخضع الآن للرقابة الإدارية للوزارة.
تجددت الانتقادات عندما أعاد أحد المستخدمين نشر المقطع مع تعليقات توضح أن المعلم قال: “حسبي الله ونعم الوكيل في صفية زغلول وهدى شعراوي، دول كانوا الفيمينست بتوع جيلهم، زي رضوى الشربيني بس على أكبر، هما الليفل الأوحش”. كما أضاف المعلم أن “ميدان التحرير اتسمى كده لما تحررت المرأة من نقابها فيه”، مشيراً إلى أن صفية زغلول “قعدت تحرض في الستات لحد ما يخرجوا”. هذه العبارات، التي تمزج بين السخرية والتحقير، قوبلت بإدانة شديدة من قبل مؤسسات حقوق المرأة والناشطين، الذين وصفوها بأنها إهانة للتراث النسائي في مصر.
من جانبها، شددت الجمعيات النسائية على ضرورة احترام الشخصيات التاريخية التي ساهمت في نضال المرأة المصريّة، مشيرة إلى أن صفية زغلول كانت من أوائل النساء اللواتي نادين بحقوقهن في أوائل القرن العشرين، وأن هدى شعراوي لعبت دوراً بارزاً في الحركة الوطنية. وأكدت هذه الجمعيات أن أي إشارة إلى هذه الشخصيات يجب أن تكون مبنية على حقائق تاريخية وليس على استهزاء أو تشويه.
في الوقت نفسه، أعرب بعض النقاد عن قلقهم من أن انتشار مثل هذه التصريحات قد يخلق بيئة تعليمية غير صحية، حيث قد يتأثر طلاب الثانوية العامة بأفكار سلبية حول دور المرأة في المجتمع. وقد دعا هؤلاء النقاد إلى توعية المعلمين بأهمية التعامل مع المواضيع الحساسة بموضوعية واحترام، خاصةً عندما يتعلق الأمر بموضوع تحرير المرأة الذي لا يزال يُعدّ من القضايا الجوهرية في الساحة العامة.
من جانبها، صرّحت وزارة التربية والتعليم بأنها لا تتدخل في شؤون المعلمين الذين يعملون خارج نطاقها، مؤكدةً أن أي إجراء تأديبي يخضع للآليات القانونية المتبعة داخل الوزارة فقط. وأضافت الوزارة أن جميع الشكاوى التي تم تقديمها ستُدرس وفقاً للأنظمة الداخلية، وأنه لا يوجد أي دليل يثبت أن المعلم لا يزال ضمن صفوف موظفي الوزارة.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الحدث يأتي في ظل تصاعد النقاشات العامة حول دور المرأة في التاريخ المصري، خاصةً مع مرور عام على انتشار الفيديو الأصلي. وقد شهدت المنصات الاجتماعية مناقشات حادة بين مؤيدين يرون أن المعلم عبّر عن رأيه بحرية، ومعارضين يرون أن ما قاله يتجاوز حدود الحرية إلى الإساءة والتهكم.
في ختام هذه السلسلة من الأحداث، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة المؤسسات التعليمية على ضبط السلوكيات غير المهنية للمعلمين، خاصةً عندما ينتقلون إلى مجال التعليم الخاص أو الإلكتروني. وتظل القضية مثالاً على التحديات التي تواجه المجتمع في موازنة حرية التعبير مع احترام التاريخ والهوية الوطنية، خصوصاً عندما تُستَخدم شخصيات تاريخية بارزة كأدوات للنقد أو السخرية.
المشهد الحالي يوضح أن الحوار المجتمعي حول المرأة وتاريخها لا يزال بحاجة إلى إطراد بنّاء، بعيداً عن الاستهزاء، ومبني على الفهم العميق للإنجازات التي حققتها نساء مثل صفية زغلول وهدى شعراوي، والاعتراف بدورهن في تشكيل مسار مصر الحديث.



