شهدت الساعات الأخيرة تصعيداً عسكرياً جديداً في الجبهة الجنوبية للبنان، حيث نفذت القوات العسكرية الإسرائيلية ضربات مدفعية عنيفة استهدفت مناطق حيوية في وادي زبقين وبلدة المنصوري. وقد أكدت المصادر الرسمية في بيروت، وتحديداً الوكالة الوطنية للإعلام، أن هذه العمليات العسكرية لم تتوقف حتى بعد سريان اتفاقيات التهدئة، مما يعكس استمرار التوتر الأمني في المنطقة. ووفقاً للتقارير الميدانية، فقد امتد القصف ليشمل محيط بلدتي حداثا وبرعشيت، حيث تم رصد تحركات عسكرية مكثفة فجر اليوم، مما أثار حالة من الذعر والقلق بين السكان المحليين الذين يعيشون تحت وطأة التهديدات المستمرة.
خلفية الصراع والتحديات المتجددة في جنوب لبنان
تأتي هذه التطورات في سياق حرب شاملة أشعلتها إسرائيل ضد لبنان منذ الثاني من مارس الماضي، وذلك عقب إطلاق صواريخ من قبل حزب الله باتجاه المستوطنات الشمالية. وقد تحولت تلك الاشتباكات الأولية إلى حرب استنزاف واسعة النطاق، أدت إلى احتلال القوات الإسرائيلية لعدد من البلدات الحدودية، مع غارات جوية ومدفعية لا تتوقف على مناطق الجنوب والبقاع الشرقي. وعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية التي بُذلت لوقف هذا النزاع، إلا أن الواقع على الأرض يثبت أن الهدنة هشة وقابلة للانكسار في أي لحظة.
وكانت قد أُعلن عن أول اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي في السادس عشر من أبريل الماضي، وسط آمال عريضة لدى سكان المنطقة بعودة الاستقرار وإنهاء معاناة النازحين. غير أن هذا الهدوء لم يستمر طويلاً، إذ تم تمديد الاتفاق في الثالث والعشرين من أبريل لمدة ثلاثة أسابيع فقط. ومع اقتراب انتهاء هذه المهلة، تم التوصل إلى تمديد جديد في الخامس عشر من مايو الماضي، حيث حُددت مدته بـ 45 يوماً. هذا التمديد كان يُفترض أن يوفر فسحة زمنية كافية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتثبيت وقف الأعمال العدائية بشكل دائم، لكن القصف المدفعي الأخير في وادي زبقين والمنصوري يثبت أن الالتزامات الدولية لا تزال حبراً على الورق في مواجهة الواقع الميداني المرير.
إن تكرار هذه الخروقات يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى اتفاقيات الهدنة في ظل غياب آليات تنفيذية صارمة أو ضمانات دولية كافية. فالمناطق المستهدفة، مثل حداثا وبرعشيت، هي مناطق سكنية مكتظة، والقصف العشوائي أو الموجه ضدها يحمل في طياته مخاطر إنسانية بالغة الخطورة. كما أن استمرار احتلال بعض البلدات الجنوبية يمنع عودة الحياة الطبيعية للسكان الأصليين، ويجعل من الجنوب اللبناني منطقة عازلة مشتعلة بدلاً من أن تكون منطقة تطوير واستقرار. ويبدو أن إسرائيل تحاول من خلال هذه الضربات التكتيكية الضغط على الطرف اللبناني لإجباره على تقديم تنازلات جديدة، أو ربما لتكديس أوراق قوة تفاوضية في مفاوضات مستقبلية قد تعقد لاحقاً. وفي المقابل، فإن الصمت أو الرد المحدود من الجانب اللبناني قد يُفسر على أنه ضعف، مما يشجع على استمرار الانتهاكات. المطلوب الآن هو تدخل إقليمي ودولي عاجل لضمان احترام وقف إطلاق النار الممتد 45 يوماً، وإلا فإن المنطقة قد تنزلق مجدداً إلى دوامة عنف مفتوحة لا يحمد عقباها، مما يعيد البلاد إلى مربع المواجهة الشاملة التي دمرت البنية التحتية وأزحت مئات الآلاف من ديارهم.



