من السر العسكري إلى السوق العالمية: كيف تحولت الصناعة النووية الروسية؟

موسكو — لم تكن نشأة الصناعة النووية الروسية مجرد ولادة عابرة، بل جاءت نتيجة لضرورات عسكرية وأمنية ملحّة في منتصف القرن العشرين لكسر الاحتكار النووي الأمريكي. واليوم، تقف هذه الصناعة كواحدة من أكبر القوى العالمية في مجال الطاقة النووية المدنية والتكنولوجيا المتقدمة.

الجذور التاريخية والسباق النووي السوفيتي

بدأت الركائز العلمية للأبحاث الذرية في الاتحاد السوفيتي منذ إنشاء “مختبر الراديوم” عام 1921. ومع تسارع الأحداث عقب الحرب العالمية الثانية، تشكلت اللجنة الخاصة للإشراف على الطاقة الذرية في 20 أغسطس 1945، وهو التاريخ الذي يُعد الانطلاقة الرسمية للقطاع.

أبرز المحطات في مرحلة التأسيس العسكري:

  • 1946: تحقيق أول تفاعل متسلسل ذاتي الاستمرار في المفاعل “إف-1” بقيادة العالم إيغور كورتشاتوف.

  • 1949: اختبار أول قنبلة ذرية سوفيتية (RDS-1) وإنهاء الاحتكار الأمريكي.

  • 1953: تأسيس “وزارة بناء الآلات المتوسطة” لإدارة المجمع النووي السري بقيادة إيفيم سلافسكي.

التحول نحو الطاقة السلمية والابتكار التكنولوجي

بالتوازي مع التطوير العسكري، قاد العلماء السوفييت مبادرات لاستغلال الذرة في أغراض سلمية، مما أسفر عن إنجازات عالمية سبّاقة:

العام الإنجاز التكنولوجي الأهمية والوظيفة
1954 محطة “أوبنينسك” أول محطة توليد كهرباء بالطاقة النووية تُربط بشبكة عامة في العالم
1958 جهاز “توكاماك” ابتكار نظام عالمي رائد لاحتجاز البلازما والاندماج النووي
1959 كاسحة الجليد “لينين” إطلاق أول كاسحة جليد تعمل بالطاقة النووية
1964 محطة “نوفوفورونيج” تشغيل أول مفاعل للماء المضغوط (VVER)

تحديات الكوارث وتأسيس عملاق الطاقة “روساتوم”

تعرض القطاع لصدمتين متتاليتين؛ الأولى تمثلت في كارثة تشيرنوبيل (1986) التي فرضت مراجعة شاملة لإجراءات الأمان، والثانية جراء انهيار الاتحاد السوفيتي (1991) وما تلاه من ركود اقتصادي.

ومع حلول عام 2007، شهد القطاع نقطة تحول جوهرية بتأسيس شركة “روساتوم” (Rosatom) التي وحدت كافة المؤسسات والبحوث النووية تحت هيكل متكامل.

تتمثل المكتسبات التشغيلية الحالية لشركة “روساتوم” في:

  • تلبية نحو 20% من احتياجات الكهرباء في روسيا.

  • بناء المفاعلات الحديثة مثل VVER-1200 ومفاعل التوليد السريع BN-800.

  • إدارة أسطول كاسحات الجليد النووية الوحيد في العالم والمحطات العائمة.

الحضور الدولي والتوسع في الأسواق العالمية

تستحوذ روساتوم على أكبر سجل طلبيات لبناء المحطات النووية عالمياً، حيث تتولى بناء 39 وحدة طاقة في 10 دول (من بينها مصر، تركيا، الهند، والصين).

كما يقود القطاع ابتكارات متعددة تشمل:

  1. المفاعلات النمطية الصغيرة (SMR): الاعتماد على مفاعلات RITM-200 المستخدمة في كاسحات الجليد، وتصدير التقنية إلى أوزبكستان وميانمار.

  2. المحطات العائمة: تشغيل محطة “أكاديميك لومونوسوف” في القطب الشمالي.

  3. الطب والعلوم: إنتاج النظائر المشعة مثل “ساماريوم-153” لعلاج السرطان وتطوير المواد المركبة.

  4. أبحاث الاندماج النووي: تشغيل مفاعل “توكاماك T-15MD” المدمج لدعم أبحاث طاقة المستقبل.