كشفت استطلاعات الرأي الأخيرة في الولايات المتحدة عن اتساع الفجوة بين القضايا التي يضعها الناخبون في مقدمة اهتماماتهم وبين الملفات التي يركّز عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، إذ تصاعد القلق بشأن تكلفة المعيشة وأسعار السكن والوقود، إلى جانب الحرب مع إيران والذكاء الاصطناعي، بينما واصل ترامب الدفاع عن سياسات ومواقف لا تتطابق، في بعض هذه الملفات، مع ما أظهرته استطلاعات الرأي من أولويات الجمهور.

وأظهرت أحدث استطلاعات “سي إن إن”، التي أجرتها مؤسسة SSRS، أن 68% من الأمريكيين قالوا إن الاقتصاد يمثل قضية شديدة الأهمية بالنسبة لتصويتهم في انتخابات التجديد النصفي، بينما بلغت النسبة 60% للتضخم، و54% للرعاية الصحية، و48% للحرب مع إيران، في حين قال 76% إن ترامب لا يركّز على الأولويات الصحيحة، وبلغت نسبة الموافقة على تعامله مع الاقتصاد 27%، بحسب الاستطلاع الذي أُجري في سبتمبر الجاري.

ضغوط اقتصادية

وأظهرت النتائج أن الاقتصاد وتكلفة المعيشة أصبحا محورًا رئيسيًا في حسابات الناخبين، بعدما أشار الاستطلاع إلى أن نسبة كبيرة من الأمريكيين لا يرون تحسنًا واضحًا في أوضاعهم المالية، بينما ارتفعت أسعار الرهن العقاري إلى أكثر من 7% في الفترة التي سبقت نشر التحليل، ما زاد الاهتمام بكلفة السكن والغذاء والطاقة، في وقت واصل فيه ترامب الحديث عن مرحلة اقتصادية وصفها بأنها “العصر الذهبي” للولايات المتحدة، وحمّل الإدارة السابقة مسؤولية استمرار التضخم.

وأوضحت البيانات أن 27% فقط من المشاركين عبّروا عن ثقتهم في طريقة تعامل ترامب مع الاقتصاد، بينما قال 68% إن الاقتصاد سيكون “شديد الأهمية” عند تحديد خياراتهم الانتخابية في نوفمبر المقبل، ما جعل الفارق بين أولوية الناخبين ورسائل الإدارة الاقتصادية واحدًا من أبرز محاور النقاش قبل الانتخابات.

حرب إيران

ودخل استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كعامل إضافي في الحسابات السياسية، بعدما امتد الصراع لأشهر أطول من المدة التي توقعها ترامب عند بدايته، بينما انعكست تداعياته على أسعار البنزين والديزل داخل الولايات المتحدة، ودفعت الحرب الناخبين إلى ربط السياسة الخارجية بصورة مباشرة بالأوضاع الاقتصادية التي يعيشونها.

وأظهر استطلاع “سي إن إن” أن نحو ثلاثة أرباع الأمريكيين لا يعتقدون أن لدى ترامب خطة واضحة لإنهاء الحرب التي تقترب من دخول شهرها الثامن، بينما قال نحو ثلثي المشاركين إن الولايات المتحدة لا تحقق النصر في الصراع، ولم تتجاوز نسبة الموافقة على طريقة تعامل الرئيس مع الحرب 26%، ما جعل استمرار المواجهة أحد أبرز الملفات الضاغطة على الإدارة.

وأوضحت النتائج كذلك أن الحرب لم تعد قضية خارجية منفصلة عن الحياة اليومية للأمريكيين، بعدما ارتبطت بتقلبات أسعار الطاقة والوقود، في وقت تعرض فيه ترامب لضغوط سياسية لإنهاء الصراع، بينما ظل يرسل رسائل متباينة بين التهديد بتصعيد عسكري كبير والحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع طهران.

قلق التكنولوجيا

وأضاف الذكاء الاصطناعي ملفًا جديدًا إلى قائمة القضايا التي أثارت مخاوف الأمريكيين، بعدما أظهر استطلاع منفصل أجرتهSSRS لصالح “سي إن إن” أن الأمريكيين ينظرون إلى تطور الذكاء الاصطناعي بقدر أكبر من الخوف والقلق مقارنة بالأمل والحماس، بينما أيد نحو سبعة من كل عشرة زيادة تدخل الحكومة في تنظيم هذه التكنولوجيا.

وأظهرت النتائج أن المخاوف لم ترتبط فقط بالوظائف، بل امتدت إلى تأثير الذكاء الاصطناعي في المجتمع والخصوصية والبنية التحتية واستهلاك الطاقة، في وقت قال فيه ترامب إنه يريد ترك الوضع التنظيمي “تمامًا كما هو”، ما وضع موقفه في مساحة مختلفة عن الاتجاه الذي أظهره الاستطلاع بشأن زيادة الرقابة الحكومية.

وأبرزت القضية اختلافًا آخر بين الإدارة والناخبين، إذ تزايد الجدل حول مراكز البيانات الضخمة التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء والمياه، بينما سعت الولايات والشركات إلى توسيع البنية التحتية اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي جعل التكنولوجيا قضية مرتبطة أيضًا بتكاليف الطاقة والبيئة والوظائف.

حسابات حزبية

وأظهرت استطلاعات الرأي تقدمًا للديمقراطيين في سؤال التصويت العام للكونجرس، إذ تفوق مرشحو الحزب على الجمهوريين بثماني نقاط في أحدث استطلاع لـSSRS، وهو فارق أقل من الفارق الذي سجله الديمقراطيون في الفترة المماثلة قبل انتخابات التجديد النصفي لعام 2018، ما يعني أن الأرقام الحالية تعكس وضعًا سياسيًا في لحظة محددة ولا تمثل نتيجة انتخابية محسومة.

وأبقت هذه النتائج الديمقراطيين أمام مشكلة أخرى، إذ لم ترتفع شعبية الحزب نفسه بصورة كبيرة، بينما ظل الناخبون منقسمين بشأن قدرته على تحسين عدد من الملفات، منها تكلفة المعيشة والفساد والسياسة الخارجية، في حين ظهر تفوق أوضح للديمقراطيين في ملف الرعاية الصحية وفقًا للاستطلاعات الأخيرة.

وأظهرت المنافسة كذلك أن المال سيظل عاملًا مؤثرًا في الأسابيع الأخيرة، إذ استعد الجمهوريون والديمقراطيون لتوجيه مبالغ كبيرة إلى الإعلانات الانتخابية، بينما حاول المرشحون الديمقراطيون استثمار المخاوف الاقتصادية والحرب والذكاء الاصطناعي في مواجهة مرشحين جمهوريين يرتبطون بدرجات مختلفة بأجندة ترامب.

وأشارت الاستطلاعات إلى أن الأرقام الحالية لا تتجاوز كونها لقطة زمنية للرأي العام، وأن نتائج الانتخابات ستتأثر بعوامل أخرى خلال الأسابيع المتبقية، بما في ذلك تطورات الحرب وأسعار الطاقة والاقتصاد والإنفاق الانتخابي، بينما يبدأ التصويت المبكر في عدد من الولايات خلال أكتوبر وتُجرى الانتخابات في الثالث من نوفمبر المقبل.