
من على المنصة التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لتكون ساحةً للدبلوماسية وحفظ السلام، وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في افتتاح أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة خطابًا حمل تهديدات غير مسبوقة في حدتها، بينها التلويح بـ”إفناء الجمهورية الإيرانية”، والإعلان، في معرض حديثه عن الحرب في فنزويلا، أن “الغنائم للمنتصر”.
ولم تقتصر لهجة ترامب على إيران وفنزويلا، بل امتدت إلى كوبا وجرينلاند والمحكمة الجنائية الدولية، في خطاب دافع فيه بقوة عن استخدام واشنطن لقوتها العسكرية والاقتصادية لحماية ما وصفه بالمصالح الأمريكية، بينما قلّل في الوقت نفسه من أهمية عدد من المؤسسات والقواعد التي قام عليها النظام الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، وفي مقدمتها أولوية تجنب الحروب واللجوء إلى الوسائل السلمية لحل النزاعات.
وفيما يتعلق بإيران، هدد ترامب، في خطابه على منصة الأمم المتحدة، حال فشلها في التوصل إلى اتفاق لإنهاء حرب امتدت لفترة أطول بكثير مما توقعه، كما أشار إلى أنه هو وحده من سيقرر ما إذا كان سيبرم اتفاقًا مع قادة طهران أو “يقضي على الجمهورية الإيرانية”.
أيضًا أوضح استعداده لاستخدام قوة الجيش الأمريكي ليس فقط لتأمين موارد حيوية، مثل احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا، بل لتحقيق الربح أيضًا، مبررًا مزاعمه بشأن احتياطيات النفط الفنزويلية بعد أن أطاحت القوات الأمريكية بزعيمها.
هكذا، وبينما يلمّح ترامب أكثر من مرة بأنه لا يُولي الأمم المتحدة أي اهتمام يُذكر، وهي إحدى مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية التي وصفها بأنها “عفا عليها الزمن” و”غير فعّالة”. لكن حديثه كان بمثابة رفض أمريكي صريح للمفهوم الذي قامت عليه الأمم المتحدة عند تأسيسها عام 1945: “إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب”.
ويشير تحليل لصحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن “تهديدات ترامب لم تقتصر على الحرب التي استنزفت رئاسته لأشهر منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران. فقد وعد بسقوط حكومة كوبا، عاجلًا أم آجلًا. وإذا كان شعاره ” الغنائم للمنتصر” يبدو وكأنه مقتبس من دبلوماسية السفن الحربية الأمريكية قبل أكثر من قرن”.
احتفاء وعزلة
جاءت تصريحات ترامب في وقتٍ بدا فيه أكثر عزلةً من أي وقت مضى عن حلفاء بلاده التقليديين، وفي وقتٍ أعرب فيه الأمريكيون عن استيائهم الشديد من سياسته الخارجية. لكن لم يبدُ أن أيًا من ذلك دفعه إلى التراجع عن التهديدات النارية التي رافقتها عمليات عسكرية في ولايته الثانية.
وتشير “نيويورك تايمز” إلى أنه “حتى بمعايير ترامب، بدا الخطاب وكأنه يتجاهل الغرض الأساسي للأمم المتحدة، وهي مؤسسة لطالما سخر منها ووصفها بأنها غير فعالة وغير مناسبة للتعامل مع القضايا المعاصرة للعالم”.
باختصار، بدا خطابه وكأنه يتبنى المبدأ الأساسي لولايته الثانية “أن الولايات المتحدة ستستخدم مزيجًا من القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة لتحقيق غاياتها الخاصة -ولدعم الاقتصاد الوطني- بدلاً من اللجوء إلى الدبلوماسية الشاقة والبطيئة في كثير من الأحيان، التي تعتمد على إبرام الصفقات والإكراه الاقتصادي”.
وفي وقت لاحق من خطابه، غيّر ترامب مساره، مستعرضًا قائمة النزاعات التي زعم أنه حلّها شخصيًا، متفاخرًا بأنه أنقذ ملايين الأرواح بتدخله لمنع حرب بين باكستان والهند. وقد استند هذا الاحتفاء بالسلطة على حساب المبادئ إلى اعتقادٍ تحدث عنه ترامب في مقابلةٍ في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، حين رفض القانون الدولي باعتباره قيدًا على أفعاله. وقال إن الحد الوحيد لسلطته هو “أخلاقي، وعقلي. إنه الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني”.
وربما كانت فنزويلا المثال الأبرز. فقد احتفى الرئيس الأمريكي بالسرعة التي اقتحمت بها قوات العمليات الخاصة كاراكاس، واعتقلت زعيمها نيكولاس مادورو وزوجته من فراشهما، ونقلتهما إلى مركز احتجاز في بروكلين، على بعد أميال قليلة فقط من المكان الذي ألقى فيه ترامب خطابه.
قال: “لقد كانت حربًا، لكنها ربما تكون أكبر صفقة على الإطلاق. وإذا لزم الأمر، فسنستخدم قوتنا العسكرية التي لا تُضاهى لحماية المصالح الوطنية الحيوية للولايات المتحدة”.
كما وصف ترامب كوبا بأنها “دولة فاشلة” ستسقط قريبًا. وقال: “لن نسمح بوجود ملاذ آمن لأعداء أجانب يهددون أمريكا على أعتابنا”، ما دفع المسؤولين الكوبيين إلى الانسحاب من اجتماع الجمعية العامة؛ واحتفل بالاتفاق الأخير الذي أبرمته إدارته بشأن جرينلاند .
تحول كبير
شكّل خطاب ترامب تحولًا جذريًا عن تصريحاته السابقة أمام الأمم المتحدة ، التي كان يوجه فيها الإهانات لقادة العالم وينتقد سياساتهم؛ بعد أن قال من على المنصة العام الماضي: “بلدانكم ذاهبة إلى الجحيم”.
لكن الآن، في مواجهة حرب في إيران لا يبدو أن نهايتها قريبة، تحول ترامب من إلقاء المحاضرات على الهيئة الدولية إلى إقناعهم فعلياً بأفعاله الخاصة – والتي أثبتت أنها غير شعبية للغاية لدى العديد من الأمريكيين والحلفاء في الخارج.
قال ترامب، في ردٍّ على بعض قادة العالم الذين انتقدوا الحرب في إيران: “آمل أن يدرك الأوروبيون أن هدف إيران كان إتمام سعيها المحموم نحو امتلاك قنبلة نووية. لو نجحوا، لكان ذلك النظام الشرير حراً في نشر الرعب والموت إلى الأبد”.
كما ادعى الفضل في إنهاء الحرب في غزة، على الرغم من أن الأوضاع الإنسانية هناك لا تزال مزرية وأن خطة نزع سلاح حماس وسحب القوات الإسرائيلية متوقفة منذ شهور. أيضًا، هاجم المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب الحرب في غزة، ووصفها بأنها “مؤسسة مارقة”، ودعا جميع أعضاء المحكمة إلى الاستقالة فورًا.
وفي حين صرّحت الأمم المتحدة بأن تغير المناخ يُمثّل تهديدًا وجوديًا، ودفعت بقضية الذكاء الاصطناعي إلى صدارة جدول أعمالها، اتخذ ترامب مرة أخرى نهجاً مختلفاً. فقد وصف تغير المناخ بأنه “خدعة” لا أكثر.
وبينما رفضت الولايات المتحدة “أي محاولة لبناء مخطط عالمي للسيطرة” على الذكاء الاصطناعي، كان لدى ترامب اقتراح واحد لتغيير طريقة تعامل العالم مع الذكاء الاصطناعي، وهو تغيير يستغل ولعه بالعلامات التجارية.
قال: “من الآن فصاعدًا، سيتم تغيير جميع وثائق الولايات المتحدة، ونأمل أن يتم تغيير وثائق العالم أيضًا، لاستخدام مصطلح “سوبر” الأكثر دقة بدلًا من “اصطناعي”. لذا فهو ذكاء خارق”.
