
مرت السياسات الاستثمارية في مصر ومنها تملك الأجانب للعقارات أو الأراضي بمراحل عدة متنوعة، فعلى مدار أكثر من 220 عاماً، تنقلت القاهرة بين عدة أنظمة اقتصادية واستثمارية متباينة فمع بداية فترة حكم محمد علي باشا في مصر سرعان ما تشكل نظام إقطاعي، عرف بـ”الالتزام”، ثم نظام “الوسية” مروراً بسيطرة الإقطاعيين قبل اندلاع ثورة يوليو (تموز) 1952 وتحول النظام المصري إلى النظام الاشتراكي، لكن مع التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد انتهت الحال إلى ظهور الملكيات الخاصة المرتبطة أساساً بالرأسمالية.
حق الانتفاع
البداية عندما ساد النظام الإقطاعي بداية من حكم السلطان العثماني سليمان القانوني الذي ضم الأراضي التي لم يستطع الفلاحون المصريون ملكيتها بحجج مكتوبة، حتى تولى محمد علي باشا رأس السلطة في مصر قبل أن يستقل تماماً عن الدولة العثمانية، ويحدث تغييرات جوهرية في إدارة البلاد ونظمها السياسية والاقتصادية.
ووزع محمد علي الأراضي على صغار الفلاحين من طريق شيخ البلد أو مأمور المركز، وكان التوزيع في تلك الحقبة على أساس حق الانتفاع وليس حق الملكية، وكان يطلق على هذا النوع من الأراضي “الأثرية”، لصغر مساحتها.
وفي السنوات الأخيرة من حكمه، اضطر محمد علي إلى اتخاذ خطوات لإعادة بناء سلطته الداخلية فقام بإقطاع بعض المقربين من كبار موظفيه وبعض الأجانب أملاكاً عرفت باسم “الأبعادية”، وهي الأراضي التي كانت زائدة وغير منتفع منها في القرى.
فترة التحول
أما التحول الواضح في ملكية الأجانب للأراضي المصرية فكان في عهد الخديوي إسماعيل (خامس حكام مصر من الأسرة العلوية بداية من عام 1863 حتى 1879)، فبعد أن حول الأراضي إلى ملكيته، أعاد توزيعها على فئة قليلة من عائلته ومن كبار الموظفين.
وخلال فترة حكم الخديوي إسماعيل اندمجت مصر بصورة أكبر في السوق العالمية بفعل زيادة حجم الصادرات الزراعية، لتصبح الأراضي الزراعية بذلك مصدراً للثراء، وتدفق رأس المال الأجنبي على مصر، وجاء في شكل استثمارات بالأساس وقروض للحكومة، وأسس المستثمرون الأجانب شركات في قطاعات صناعية عدة منها صناعات السكر والقطن والغزل والنسيج والمياه، وتضاعف التدخل الأجنبي عبر القروض، إلى أن بلغ حجم الدين المصري 91 مليون جنيه استرليني، في نهاية فترة حكم إسماعيل، مما استدعى تدخل الدائنين من أجل ضمان سداد ديونهم، خصوصاً بعد تهديد مصالحهم من قبل “الثورة العرابية”، فغزا الإنجليز مصر عام 1882، وبدأت سياسة بريطانيا بتحويل مصر إلى مستعمرة زراعية، قبل أن تعيد تنظيم ملكية الأراضي، بإصدار قانون عام 1882 يقضي بإقرار الملكية الخاصة وإلغاء كل ما سبق من أشكال الملكية.
التأميم
ومع مطلع القرن الـ20، تكاثرت الشركات الأجنبية بالأساس ومعها بعض المحلية، التي امتلكت الأراضي لتنفيذ مشروعاتها الاستثمارية، مع عودة الإقطاعيين إلى المشهد العام، حتى قضت ثورة يوليو 1952، على نظام الإقطاع، ثم تأميم الشركات التجارية والصناعية التي استأثر بها الأجانب، ثم أنهت السيطرة الرأسمالية في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي التجارية.
ولكن مع الأشهر الأولى لحكم مجلس قيادة الثورة لم تجد مفراً من الاستعانة برؤوس الأموال الأجنبية لاعتبارات عدة، منها ألا تعتمد على الخزانة العامة وحدها في تمويل المشروعات، إذ إن مصر آنذاك بلد يعتمد على الزراعة والقوة الإنتاجية بها تنخفض عن مثيلاتها في البلاد التي تعتمد على الصناعة.
طمأنة المستثمرين
وكان أول قرارات مجلس قيادة الثورة (الضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة وعزلوا الملك الفاروق من حكم البلاد)، إصدار القانون رقــم 156 لسنة 1953 في شأن استثمار المال الأجنبي في مشروعات التنمية الاقتصادية، الذي أقر إنشاء المجلس الدائم لتنمية الاقتصاد القومي واتباع سياسة لترغيب رؤوس الأموال الأجنبية في المساهمة بقسط في الحياة الاقتصادية المصرية وكانت أولى الخطوات التي اتخذت في هذا السبيل تعديل المادة السادسة من القانون رقم 138 لسنة 1947 الخاص ببعض الأحكام المتعلقة بشركات المساهمة، بما يكفل للأجانب الذين يوظفون رؤوس أموالهم في مصر أن تكون لهم (متى أرادوا) 51 في المئة من مجموع رأس مال الشركة بدلاً من 49 في المئة أي أن تكون لهم الغالبية في رأس المال، من ثم القدرة على توجيه أعمال الشركة الوجهة التي يرون أنها أحفظ لمالهم وأنسب لاستثماره.
أما القرار الثاني الذي أصدره مجلس قيادة الثورة، فهو إصدار القانون رقم 66 لسنة 1953 الخاص بالمناجم والمحاجر، الذي تجاوز عن شرط الجنسية المصرية في الشركات التي تقوم على استغلال البترول، وتضمنت التعديلات حفظ الحقوق المعنوية المملوكة لأجانب مقيمين في الخارج، وقد ذكرت العلامات التجارية وحق الاختراع على سبيل المثال، وأجازت التعديلات تحويل الربح الناتج من استثمار المال الأجنبي إلى الخارج بما لا يجاوز 10 في المئة من القيمة المسجل بها وبالعملة الأصلية التي ورد بها وتأسيس لجنة بوزارة التجارة والصناعة تختص باستثمار المال الأجنبي يمثل فيها وزارة المالية والاقتصاد والمجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي والبنك المركزي المصري.
وعلى رغم البحث الجاد من الحكومات المتعاقبة بعد ثورة يوليو 1952 حول كيفية جذب الأجانب باستثماراتهم، فإن القوانين الصادرة على مر السنوات التي ألغت بعضها بعضاً لم تكن كافية لتطمئن المستثمرين المصريين والأجانب، إذ كان هاجس عمليات التأميم الواسعة التي أعقبت ثورة يوليو، لا تزال تسيطر على المستثمرين سواء المصريون أو الأجانب.
ضمانات وحوافز استثمارية
وكانت أولى المحاولات الجادة لتحسين بيئة الاستثمار بعد مرور 19 عاماً على اندلاع ثورة يوليو، بإصدار، القانون رقم 65 لسنة 1971 ليلغي القانون رقم 51 لسنة 1966 ليزيد من طمأنينة المستثمرين الأجانب إذ شددت المادة الثانية من القانون على أن “المال المستثمر في جمهورية مصر العربية يتمتع بالضمانات المقررة بموجب أحكام هذا القانون ولا يجوز فرض الحراسة عليه ولا يجوز تأميمه أو نزع ملكيته إلا لمصلحة عامة ومقابل تعويض عادل وبناء على القوانين السارية ويراعى في تقدير التعويض وقت الاستيلاء ويتم التقويم خلال ستة أشهر بالإجراءات وفقاً للأحكام ويتم تحويل قيمة التعويض بنفس العملة أو العملات التي وردت بها لأغراض الاستثمار على دفعات سنوية لا تجاوز خمسة أعوام”.
نظام الاستثمار العربي والأجنبي والمناطق الحرة
خطوة جديدة جاءت بعد عام واحد من انتهاء حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 بانتصار القوات المصرية على إسرائيل، لجذب الاستثمارات الأجنبية بتأسيس أول نظام للاستثمار تحت مسمى “نظام الاستثمار العربي والأجنبي والمناطق الحرة” وفقاً للقانون رقم 43 لسنة 1974 الذي ألغى القانون السابق 65 لسنة 1971.
إلى ذلك، كانت نهاية حقبة الثمانينيات وبداية حقبة التسعينيات فترة حاسمة في تاريخ الاقتصاد والاستثمار في مصر، مع بداية تطبيق نظام الخصخصة الذي يعني صراحة انتهاء النظام الاشتراكي التي دعمته ثورة يوليو 1952 بقوة، ليبدأ النظام الرأسمالي في فرض كلمته، ومع هذا التحول الكبير صدر قانون الاستثمار رقم 230 لسنة 1989 ليلغي ما سبقه من قوانين.
قانون الاستثمار
جاء قانون الاستثمار لينص صراحة للمرة الأولى على حق الأجانب في تملك الأراضي والعقارات بعد موافقة الهيئة العامة للاستثمار التي تأسست وفقاً لقانون الاستثمار مع تمتع المشروعات أياً كانت جنسية مالكيها بالضمانات والمزايا والإعفاءات التي نص عليها القانون.
بعد ست سنوات من السماح لتملك الأجانب في مصر للأراضي والعقارات وبصورة مفاجئة جاء القانون رقم 230 لسنة 1996 ليضع شروطاً لتملك الأجانب للأراضي والعقارات في مصر، إذ اشترط أن يكون التملك لعقارين على الأكثر في جميع أنحاء الجمهورية بقصد السكُنى الخاصة له ولأسرته، كذلك ألا تزيد مساحة كل عقار على أربعة آلاف متر مربع، وأيضاً اشترط ألا يكون العقار من العقارات المعتبرة أثراً في تطبيق أحكام قانون حماية الآثار، وأخيراً اشترط القانون الجديد أنه يجب على غير المصري الذي اكتسب ملكية أرض فضاء بالتطبيق لأحكام هذا القانون أن يبدأ البناء عليها خلال مدة لا تتجاوز الخمسة أعوام التالية لشهر التصرف، فإذا انقضت هذه المدة من دون البدء في أعمال البناء زيدت مدة الحظر المبينة في المادة التالية بما يساوي مدة التأخير في البدء بالبناء، ولا يجوز لغير المصري الذي اكتسب ملكية عقار وفقاً لأحكام هذا القانون أن يتصرف فيه بأي وجه من وجوه التصرفات الناقلة للملكية قبل مضي خمسة أعوام من تاريخ اكتساب الملكية، ولكن القانون أجاز لرئيس مجلس الوزراء في الحالات التي يقدرها الإذن بالتصرف في العقار قبل مضي هذه المدة.
