يكشف بحث جديد فى علم النفس أن الناس لا يشاركون نجاحاتهم وإخفاقاتهم دائما بهدف تحسين صورتهم أمام الآخرين، بل قد يعدلون ما يكشفونه استجابة لمشاعر الطرف الآخر ورغبة فى حمايته من الضيق أو المقارنة، وهو ما يفسر ميلهم إلى مشاركة الإخفاقات المشتركة أكثر من النجاحات المشتركة، ونُشرت الدراسة فى مجلة “السلوك التنظيمى وعمليات اتخاذ القرار البشرى”.

الإفصاح يتأثر بمشاعر الآخرين
قالت إيرين سكوبيليتى، أستاذة التسويق والعلوم السلوكية فى كلية بايز للأعمال، أن كثيرا من الأبحاث ركزت على أسباب مشاركة الناس للأخبار الجيدة أو إخفائهم للأخبار السيئة من منظور تقديم الذات، لكن المحادثات تفاعلية، وغالبا ما يقرر الشخص ما يكشفه بعد معرفة نتيجة تجربة الطرف الآخر، بحسب موقع psypost.

وتشير النظريات التقليدية إلى أن الناس يميلون إلى محاكاة نبرة شركائهم، فيردون على النجاح بنجاح مماثل وعلى الفشل بفشلهم الخاص، لكن الإفصاح عملية عاطفية للغاية، فقد وجدت دراسة عام 2019 أن مشاركة الشخص لإخفاقاته قد تخفف من مشاعر الحسد الخبيث لدى الآخرين، بينما أظهرت دراسة أخرى أن الناس يخفون معلومات شخصية أحيانا لتجنب التسبب فى ضيق للطرف المقابل.

9 دراسات تكشف نمط الإفصاح
اختبر فريق بقيادة إميلى برينسلو من جامعة رايس وسكوبيليتى هذا المفهوم من خلال 9 دراسات شملت 8229 مشاركا، وتناولت مواقف متنوعة من مقابلات العمل والنتائج الصحية إلى النكسات المالية، وأكدت سكوبيليتى أن النتائج لم تكن تأثيرات إحصائية صغيرة، بل أظهرت تحولات كبيرة ومتسقة فى سلوك الإفصاح.

فى إحدى الدراسات، تخيل 900 مشارك تلقى نتائج لاختبار العمر البيولوجى، ثم قرأوا سيناريوهات يخبر فيها زميل عن نجاح أو فشل صحى، وأظهرت النتائج ميلا عاما إلى مطابقة ما يكشفه الآخر، لكن المشاركين كانوا أكثر استعدادا للكشف عن الفشل المطابق بنسبة 87% مقابل 70% للنجاح المطابق، وعندما اختلفت النتائج، كشف 54% عن فشلهم أمام زميل ناجح، مقابل 16% فقط شاركوا نجاحهم أمام زميل فاشل.

وأشارت سكوبيليتى إلى أن المشاركين كانوا أكثر ميلا إلى مشاركة فشلهم بعد سماع فشل شخص آخر مقارنة بسماع نجاحه، وفى إحدى الدراسات كان الأشخاص الذين فشلوا أكثر ميلا بمرتين لمشاركة فشلهم عندما يكشف الطرف الآخر عن فشله، وحتى فى أكثر الدراسات تحفظا، التى اعتمدت على محادثات حقيقية، ارتفعت معدلات الإفصاح بمقدار الثلث أو أكثر.

نشارك الفشل من أجل التضامن
شملت دراسة ثانية 812 مشاركا تخيلوا الحصول على عرض عمل أو رفضه، ثم تفاعلوا مع شخص يعرفونه مر بتجربة مماثلة، مع التلاعب بدرجة إعجابهم بهذا الشخص، وعندما كانوا يحبون الشخص، ظهرت بوضوح رغبتهم فى حمايته، إذ قال من شاركوا إخفاقاتهم إنهم فعلوا ذلك لمساعدته على الشعور بتحسن، بينما أوضح من أخفوا نجاحاتهم أنهم أرادوا تجنب إلحاق الضرر به.

وفى دراسة ثالثة شملت 801 مشارك، وجد الباحثون أن الموضوع نفسه كان مؤثرا فى قرار الإفصاح، إذ كان الناس أكثر ميلا لمشاركة إخفاق مماثل عندما يتطابق موضوعه مع إخفاق الطرف الآخر، بينما تراجع هذا الميل عندما كان الموضوع مختلفا، وقالت سكوبيليتي: “عندما يشاركنا صديق فشلا، يختار الكثير منا ذكر فشل مماثل خاص بنا، ليس للمنافسة ولكن لتقديم التضامن”.

كما درست الأبحاث طريقة صياغة الرسائل، فوجدت أنه عندما ينجح الشخص بينما يفشل صديقه، فإنه قد يطيل حديثه ويستخدم الاعتذارات لتخفيف وقع الخبر، أو يؤجل مشاركة نجاحه، أو يقدم المواساة والمساعدة أولا، ولجأ عدد قليل إلى الخداع وتغيير صورة نجاحهم لحماية مشاعر صديقهم، ما دفع سكوبيليتى إلى القول أن الناس فى هذه المواقف يهتمون باحتياجات الآخرين العاطفية أكثر من اهتمامهم بصورتهم الشخصية.

وفى الدراسة النهائية، شارك 946 شخصا فى غرف دردشة مباشرة، وأدوا مهمة حل لغز جرى التلاعب بها لتكون سهلة أو صعبة، ثم وُزعوا فى أزواج وحصل أحد المشاركين على مكافأة مالية صغيرة لمشاركة نتيجته تلقائيا، وعندما فشل الطرفان، شارك 96% فشلهم، بينما شارك 73% فقط نجاحهم عندما نجح الطرفان، وفى الحالات غير المتطابقة، شارك 81% إخفاقاتهم ردا على نجاح الطرف الآخر، مقابل 40% فقط شاركوا نجاحاتهم ردا على إخفاقه.

وأظهرت سجلات المحادثات استخداما متكررا للاعتذارات والإفصاحات المتأخرة عندما كان وضع المشاركين أفضل من وضع شركائهم، وهو ما دفع سكوبيليتى إلى تلخيص النتيجة بأن الناس يضبطون ما يشاركونه لحماية مشاعر الطرف الآخر، سواء فى الردود المكتوبة أو المحادثات الحقيقية والمباشرة.

لكن الدراسة لها بعض القيود، إذ اعتمدت فى الغالب على مشاركين من دول غربية، وقد تؤثر الخلفيات الثقافية، خاصة فى المجتمعات التى تعطى أهمية كبيرة للتسلسل الهرمى الاجتماعى أو الفردية، على الاستعداد لمشاركة النجاحات أو حماية الآخرين من المقارنات.

كما ركزت السيناريوهات على نجاحات وإخفاقات حاسمة، بينما تختلف أحداث الحياة اليومية فى درجة أهميتها، ولم يقس الباحثون ما إذا كانت استراتيجيات إخفاء النجاح أو مشاركة الفشل تحقق بالفعل شعورا أفضل لدى الطرف الآخر، إذ قد يؤدى إخفاء النجاح إلى نتيجة عكسية إذا اكتشف الصديق الحقيقة لاحقا وشعر بالاستخفاف.

وقالت سكوبيليتى أن الأبحاث المستقبلية ستبحث ما إذا كانت هذه الاستراتيجيات تحقق النتائج المرجوة فعلا، كما قد تدرس تأثير العلاقات العاطفية والمنافسات وغيرها من العلاقات على عادات الإفصاح، إضافة إلى رد فعل الشخص الذى تلقى الخبر لمعرفة الآثار طويلة الأمد لهذه الاستراتيجيات على العلاقات.