رفض أوروبي لمقترح منح كندا “عضوية مشاركة” بالاتحاد: “أمر مستحيل”

post-title
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين

 

شكّل إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عزم الاتحاد الأوروبي بحث منح كندا “عضوية مشاركة” مفاجأة للدول الأعضاء، وأثار قلق الحكومات بشأن المواقف المحتملة المترتبة على ذلك.

وخلال خطابها السنوي حول “حالة الاتحاد” في ستراسبورج، طرحت فون دير لاين فكرة الارتقاء بالعلاقات مع أوتاوا، تلبية للحاجة إلى “إعادة تصور شراكاتنا بشكل عاجل” و”بناء تحالفات عالمية لتعزيز قدرتنا على الصمود وحماية ديمقراطياتنا”، بحسب بوليتيكو.

وأكدت فون دير لاين أن القيم الديمقراطية والمقاربات المشتركة تجاه قضايا دولية عدة، من الذكاء الاصطناعي إلى الحرب في أوكرانيا، تمثل أساسًا للارتقاء بالعلاقات بين بروكسل وأوتاوا إلى مستوى جديد.

وفي ظل خوضها حربًا تجارية متصاعدة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستشرع كندا في “فتح الباب” لتصبح “أول عضو مشارك في الاتحاد الأوروبي”.

شراكة إستراتيجية

وخلال كلمتها في البرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورج، وبحضور رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، قالت فون دير لاين: “نريد الارتقاء بالعلاقة مع كندا إلى أعلى مستوى ممكن. يجب علينا إعادة تصور شراكاتنا بشكل عاجل، لذا أود العمل معكم لفتح الباب أمام كندا لتصبح أول عضو مشارك في الاتحاد الأوروبي”.

ودعا رئيس الوزراء الكندي إلى إقامة تحالف فريد مع الاتحاد الأوروبي، في ظل سعي كندا لتقليل اعتمادها الكبير على التجارة مع الولايات المتحدة.

تجدر الإشارة إلى أن كندا والاتحاد الأوروبي يرتبطان بالفعل باتفاقية تجارية والعديد من الاتفاقيات الثنائية، إلا أن العلاقات بينهما شهدت تقاربًا متزايدًا منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ فرض رسومًا جمركية على كلا الحليفين القديمين، فضلًا عن حديثه المتكرر عن احتمالية انضمام كندا لتصبح الولاية الأمريكية الحادية والخمسين وانتقاداته اللاذعة للاتحاد الأوروبي.

نموذج يثير التساؤلات

يُذكر أن الاتحاد الأوروبي -الذي يضم 27 دولة- لم يسبق له اعتماد فئة “العضو المشارك”، رغم تمتعه بعلاقات وثيقة مع النرويج وآيسلندا وسويسرا، ما يتيح تكاملًا اقتصاديًا عميقًا مع هذه الدول التي تلتزم بالعديد من قواعد الاتحاد.

ويبقى أن نرى ما ستعنيه بالضبط “العضوية المشاركة”، بما في ذلك تأثيرها على علاقة كندا بالسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. فعندما كانت المملكة المتحدة تتفاوض بشأن علاقتها بالتكتل “بريكست” عقب خروجها منه، أكد مسؤولو الاتحاد الأوروبي أنه لا يوجد وضع يتيح لدولة أجنبية أن تكون “نصف داخلة ونصف خارجة” من السوق الموحدة.

كما دافع الاتحاد الأوروبي بشدة عن مبدأ عدم تجزئة الحريات الأربع لسوقه الداخلية، هي: حرية حركة السلع والخدمات والأشخاص ورؤوس الأموال. ومن المقرر أن يعقد الاتحاد الأوروبي وكندا قمة، أواخر أكتوبر المقبل، لمواصلة تطوير هذه الفكرة.

ومن المؤكد أن مقترح “العضوية المنتسبة” سيثير تساؤلات لدى حلفاء آخرين للاتحاد الأوروبي، بمن فيهم المملكة المتحدة التي طالما سعت للحصول على نهج أكثر مرونة من بروكسل.

وفي السياق ذاته، قال مارتن لينج، من مركز معهد بروكسل للجيوسياسة البحثي، إن العالم الذي يشهد تقلبات مستمرة يدفع الاتحاد الأوروبي نحو مرونة أكبر بكثير في علاقاته مع الدول الأخرى.

لا أحد يعرف

لكن هذه الرسالة فاجأت العواصم الوطنية، التي لم يُطلب منها الموافقة على الفكرة قبل إلقاء الخطاب، بحسب ثلاثة دبلوماسيين تحدثوا لـ”بوليتيكو” شريطة عدم الكشف عن هويتهم. فمنح العضوية في الاتحاد الأوروبي يقع ضمن اختصاص المجلس الأوروبي، كما أنه لا يوجد نموذج قائم لما يُعرف بـ”العضوية المنتسبة”.

وقال أحد المبعوثين، الذي شارك في محادثات مع المفوضية الأوروبية بشأن العلاقات مع كندا في الأيام الأخيرة: “لا أحد يعرف حقًا ما يعنيه ذلك. الدول الأعضاء تحاول ضبط التوقعات؛ فالمشاعر تجاه أوتاوا ودية للغاية، لكننا بحاجة إلى معرفة التفاصيل”.

وعبّر دبلوماسي ثانٍ عن الأمر بوضوح أكبر، متوقعًا أنه رغم إمكان منح كندا ما يعادل اتفاقية “منطقة التجارة الحرة الشاملة والمعمقة” التي يبرمها الاتحاد الأوروبي، وهي ترتيبات تتيح الوصول إلى الأسواق ومُنحت لكل من جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا، إلا أنه لا يوجد تأييد يُذكر لأي شكل آخر من أشكال التكامل الاقتصادي أو السياسي.

وأضاف الدبلوماسي: “لن توافق الدول الأعضاء على أي شيء آخر”.

أمر مستحيل

وأشار دبلوماسي ثالث إلى أن أي وضع يتعلق بـ”العضوية المنتسبة” سيتطلب تعديل المعاهدات التأسيسية للاتحاد الأوروبي، وهو أمر يُعد “مستحيلًا” نظراً لغياب الدعم اللازم له.

ومن بين القضايا المحتملة التي قد تبرز حال التفكير في تجاوز هذا النطاق، وفقًا للدبلوماسيين، تبرز مسائل شائكة تتعلق بسياسة “صُنع في كندا”، التي تمنح الأفضلية للمنتجات المحلية، وهي سياسة قد تتعارض مع قواعد السوق الموحدة، وصناعة الصلب الكندية التي تنافس نظيرتها الأوروبية، والضرائب المفروضة على صادرات السيارات الأوروبية والقواعد الكندية التي تحد من استيراد المشروبات الكحولية الأوروبية، فضلًا عن اختلاف المعايير المتعلقة بالمنتجات المعدلة وراثيًا.

يُذكر أن المستشار الألماني فريدريش ميرز، اقترح سابقًا فكرة “العضوية المنتسبة” كوسيلة لتعزيز التقارب مع أوكرانيا، إلا أن كييف رفضت الفكرة، كما أنها لم تحظَ بدعم القادة الآخرين.